وقد حكى لنا القرآن الكريم قصة الرجلين المبادرين اللذين قال الله فيهما: (( وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى ) ) [القصص: 20] قال الوزير ابن هبيرة: (تأملت ذكر أقصى المدينة؛ فإذا الرجلان جاءا من بُعدٍ في الأمر بالمعروف ولم يتقاعدا لبعد الطريق) .
وأما مبادرات الرسول -صلى الله عليه وسلم- فالحديث عنها طويل جدًا، غير أنني أشير إلى القصة الشهيرة التي تروي لنا أنه (فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قِبَلَ الصوت فاستقبلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- قد سبق الناس وهو يقول:(لم تراعوا، لم تراعوا) وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف) (2) . فدل الحديث على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- سبق إلى استطلاع الأمر.
وقد أثنى النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك الصحابي الذي بادر بالصدقة كما في حديث المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر فتمعّر وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالًا، فأذن وأقام، فصلى، ثم خطب فقال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) ) [النساء: 1] إلى آخر الآية (( إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) )والآية في الحشر: (( اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ) ) [الحشر: 18] تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) .
وفي الحديث تصريح بأجر المبادر للخير، وكونه ينال أجره وأجر كل من سلك طريقه واقتفى أثره الذي بادر إليه، وهذا من أعظم الدواعي للمبادرة للخير؛ إذ يستشعر المبادر أن أجور السائرين من بعده على هذا الطريق ستكون في موازين أعماله.
وفي الحث على المبادرة تساق قصة ذي الجوشن الضبابي حينما دعاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد معركة بدر للدخول في الإسلام قائلًا له: (هل لك إلى أن تكون من أوائل هذا الأمر؟ قال: لا، قال: فما يمنعك منه؟ قال: رأيت قومك كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، فأنظر: فإن ظهرت عليهم آمنت بك واتبعتك، وإن ظهروا عليك لم أتبعك) فكان ذو الجوشن يتوجع على تركه الإسلام حين دعاه رسول الله؛ إذ قد ترك المبادرة إلى الإسلام وإلا لكان من أوائل الداخلين إليه فكان على ذلك نادمًا.