إن حفظ الأسرار وكتمانها من الأخلاق العظيمة التي تُعْلِي من شيم أصحابها وشمائل صفاتهم، فقد كان الصحابة والصحابيات ـ رضي الله عنهم جميعًا - مضرب المثل في حفظ الأسرار التي يؤتمنون عليها.
فهذا حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنهما - أمين سِرِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنافقين، وكان يقال له: صاحب السِّر الذي لا يعلمه أحدٌ غيره (2) .
وعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما - أن عمر ـ حين تَأَيَّمَتْ بنته حفصة رضي الله عنها، قال: «أتيتُ عثمان بن عفان، فَعَرَضْتُ عليه حَفْصَةَ، فقال: سأنظر في أمري. فلبثت لياليَ ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوجَ يومي هذا. قال عمر: فلقيتُ أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئتَ زَوَّجْتُكَ حفصةَ بنتَ عمرَ، فَصَمَتَ أبو بكرٍ، فلم يرجعْ إليَّ شيئًا، وكنتُ أَوْجَدَ عليهِ مني على عثمانَ، فلبثتُ لياليَ، ثم خطبها النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأنكحتُها إياه. فلقيني أبو بكر فقال: لقد وَجَدْتَ عليَّ حينَ عَرَضْتَ عليَّ حفصةَ فلم أرجعْ إليكَ شيئًا؟ قال عمر: قلت: نعم. قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجعَ إليكَ فيما عرضتَ عليّ إلاَّ أنِّي كنتُ علمتُ أَنَّ رسول -صلى الله عليه وسلم- قد ذكرها، فلم أكنْ لأفْشِيَ سِرَّ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو تركَهَا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قَبِلْتُهَا» (3) .
وهذه فاطمة بنت محمد -صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنها - تضرب لنا مثالًا في أمانة حفظ السِّر، كما روت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «إِنَّا كُنَّا أزواجِ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- عنده جميعًا لم تغادرْ منا واحدة، فأقبلت فاطمة - رضي الله عنها - تمشي ما تُخطئ مِشيتَهَا من مِشيةِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فلما رآها رحَّب، قال: مرحبًا بابنتي. ثم أجلسَها عن يمينه ـ أو عن شماله ـ ثم سَارَّهَا، فَبَكَت بُكاءً شديدًا، فلما رأى حُزْنَها سَارَّهَا الثانية، فإذا هي تضحك. فقلت لها: ـ أنا من نسائه ـ خَصَّك رسول الله بالسِّرِ من بيننا ثم أنت تبكين! فلما قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سألتُها عَمَّا سَارَّهَا؟ قالت: ما كُنتُ لأفشي على رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سِرَّهُ. فلما توفي قلت لها: عزمت عليك ـ بما لي عليك من الحق ـ لما أخبرتني! قالت: أما الآن فنعم. فأخبرتني قالت: أما حين سارَّني في الأمر الأول فإنه أخبرني أن جبريل ـ عليه السلام ـ كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإني نعمَ السلفُ أنا لك. قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارَّني بالثانية، قال: يا فاطمة! ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة!» (4) .
ولا يتوقف الأمر على أمانة حفظ الأسرار عند الرجال والنساء من الصحابة بل حتى الغلمان، فهذا أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ الغلام الصغير الذي يخدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-