إن من أعظم المسوِّغات والدوافع التي تدفعنا لتحقيق هذا المبدأ في واقعنا التربوي وتطبيقه ثقلَ الأمانة المنوطة بعاتق المربين. إن عظيم الموقع الذي تبوأه المربي، وثقلَ الأمانة التي تحملها تجعله يجتهد غاية الاجتهاد في نصح من يربيهم، وتوجيههم، والارتقاء بهم، كيف لا؟ وهو المعنيُّ بتلك النصوص العظيمة التي يقول فيها - صلى الله عليه وسلم -: «ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله مغلولًا يده إلى عنقه، فكه بِرُّه، أو أوثقه إثمه، أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة» (4) . ويقول - صلى الله عليه وسلم - أيضًا: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته؛ إلا حرم الله عليه الجنة» (5) ، ويقول - صلى الله عليه وسلم - أيضًا: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته...» (6) ويقول - صلى الله عليه وسلم - أيضًا: «ما من أمير عشرة إلا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولًا حتى يفكه العدل، أو يوبقه الجور» (7) . إن هذه النصوص لتدفع كل مربِّ صادق إلى الاجتهاد فيمن يربيهم، والنصح لهم، والسعي الجاد في برهم والإحسان إليهم، وإن تطبيق هذا المفهوم التربوي في الواقع لهو سبيل لتحقيق تلك الأمور المنشودة.
3 ـ المربي الأول - صلى الله عليه وسلم - والمعايشة:
يقول - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم» (1) .
لقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أوفر الحظ والنصيب من هذا الحديث، وكان الرائد في هذا المجال؛ فقد بُعِثَ معلمًا، يتوفر لطلابه في معظم أحيانه، فهم يجدونه في المسجد، فإن لم يكن ففي السوق أو الطريق، فإن لم يكن ذهبوا إلى بيته، وكان - صلى الله عليه وسلم - يستقبلهم ويعلمهم ويجيب عن أسئلتهم، ولم يكن من عادته حجب الناس عنه أو ردهم بل كان يستقبلهم، ويبتسم لهم دائمًا. عن جرير بن عبدالله البجلي ـ رضي الله عنه ـ قال: «ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا ابتسم في وجهي» (2) .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يعتمد اعتمادًا كبيرًا على هذه الخاصية (المعايشة) في الاتصال بالمدعوين والمتربين، والتعرف عليهم والتقرب إليهم، والتأثير فيهم. فهو يعرف أسماءهم، وبعض خصائصهم، وأسماء قبائلهم، وتاريخ تلك القبائل، وأسماء بلدانهم، وخصائص تلك البلدان، ويعرف مستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذا فيما يتعلق بالأبعدين والمستجدين، أما أصحابه ممن حوله، والمقربون منه، فيعرف كل شيء عنهم تقريبًا، حاجتَهم واستكفاءَهم، مرضهم وصحتهم، سفرهم وإقامتهم، ويعرف مستوياتهم الإيمانية والعقلية والنفسية، ويعرف قدراتهم وحظوظهم في المجالات التربوية والقيادية والمالية والحكمية والدعوية، ويتحدث مع كلٍ بما يناسبه، ويكلف كلًا منهم وفق خصائصه وقدراته. عن أنس ابن مالك ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان،