فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 780

وللأسف الشديد فإننا نصرّ على المغالطة وإغماض أبصارنا وبصائرنا عن الحقيقةِ والواقعِ، والحقيقةُ والواقعُ أن طلابنا في كليات الطب ـ مثلًا ـ وكذلك أطباؤنا يجدون صعوبات جمّة تحول دون الاستيعاب الحقيقي للمادة الطبية، لا فرق في ذلك بين من حصل على (الثانوية العامة) من مدارس عربية أو مدارس اللغات.

رابعًا: وضع اللغة العربية: للغتنا الأم، وضعٌ مقلق مزعج إلى أبعد الحدود؛ والدليل واضح ماثل لكل ذي بصرٍ وبصيرة؛ فطلابنا يعانون ضعفًا مزريًا في لغتهم الأم، وقد بدت الشكوى متزايدة من هذا الضعف، فخريجو الجامعات ضعاف في اللغة العربية، لا فرق في ذلك بين خريجي أقسام اللغة العربية ومعاهدها، وبين غيرهم، والأغلاط اللغوية في الكتب والصحف متفشية. وهذا الضعف ليس في أساسيات اللغة العربية ومهاراتها ـ فقط ـ بل يمتد إلى معارفها وثقافاتها المتصلة بها. فكيف نضيف إلى ضعفنا في لغتنا الأم ضعفًا في سائر اللغات؟

خامسًا: نشير هنا إلى رأي فريق من علماء التربية لا يستهان به؛ فالبعض يؤكد أن ثمة ظاهرةً تسمى ظاهرة: (الاعتماد أو التوافق المتبادل Interdependence ) بين اللغة الأم واللغة الأجنبية، مما يؤثر في إتقانهما معًا؛ فالطفل الذي يتلقى دروسًا في لغة ثانية (أجنبية) ، قبل أن يتقن لغته الأولى لن يتقدم في هذه أو تلك (2) .

سادسًا: يقسّم بعض علماء التربية الثنائية اللغوية إلى نوعين: (الثنائية اللغوية الطارحة، والثنائية اللغوية الجامعة) فالأولى هي تلك التي تسود بين أطفال يتهدد لغتهم الأم خطر الاندثار، وأما الثانية فهي تلك التي تسود بين أطفال تتمتع لغتهم الأم بقدرٍ كبيرٍ من الرسوخ والتفوق.

والسؤال: إلى أي النوعين تنتمي الثنائية اللغوية في ظل ما يسمّى بمدارس اللغات؟

نضيف إلى ما تقدّم حقيقة تربوية لا يختلف عليها التربويون برغم اختلافهم حول قضية (الثنائية اللغوية) ، وهي: (أنه كلما ازداد أساس اللغة الأم رسوخًا، واستمرت في تطورها ازدادت القدرة على اللغة الثانية) (3) .

سابعًا: يتشبث المتحمسون لمدارس اللغات بمنطق مغلوط معكوس؛ فالمعلوم ـ من واقع التاريخ الإنساني ـ أن المجتمع لا يحافظ على بقائه في عالم مفتّح متواصل، بالحفاظ على هوية الآخرين والذوبان المطلق فيهم، ولكن بحفاظه على هويته أولًا، وتحصين ذاته ضدّ عوامل الفناء والاندثار؛ فإن صنع الإنسان العكس، فقد غالط طبيعة الأشياء، ورضي لنفسه أن يكون التابع الذليل.

وإذا راجت بيننا اليوم مقولة أن (لا مكان في عالم اليوم لمن لا يتسلح باللغات) ، فإن الأصحّ من هذه المقولة أنه (لا مكان لمن يدخل بيوت الآخرين، بعد أن نسف بيته، وأتى على بنيانه من القواعد) .

ثامنًا: نؤكد ـ ونحن مضطرون للتكرار ـ أننا لا نرفض مبدأ تعلم اللغات، ولكن شريطة أن يكون هذا المبدأ مؤسسًا على أهداف وثيقة الصلة بوجودنا وكياننا وأصالتنا، ومرتبطًا بخطة مدروسة لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت