فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 780

ما أعقد الأمور في علاقتها المتشعبة، وما أبسط معارفنا أمام أغوار الحقائق، وما أضيق عقولنا حيال هذه الأكوان الشاسعة، وما أضيق آفاق علومنا وتصوراتنا؟ قال الله ـ تعالى ـ: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إلاَّ قَلِيلًا} [الإسراء: 85] .

وإذا لم تحقق التربية غلبتها على عامل الزمن فإنها تتقهقر وتتخلف، وتصير تابعة لا متبوعة، وتعجز عندئذ عن ضمان حاجة الحضارة إلى التجديد والنمو؛ فالإنسان هو صانع الحضارة وكل شيء في الحضارة يتوقف عليه، والإنسان بدوره أيضًا يتوقف مصيره إلى حد بعيد على التربية من حيث هي التي تكون البيئة التي تترعرع فيها مواهبه ومختلف قدراته وخبراته. فكلما ازدهرت التربية ازدهرت الحضارة واتسعت أمامها آفاق الإنسان. وما التفاوت الذي حدث للتربية المدرسية الكنسية في القرون الوسطى (1) إلا خير دليل على خطورة تخلف التربية عن ركب الحضارة، كما أن مجهودات المصلحين في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين خير دليل على أهمية التربية بالنسبة إلى نشأة النهضة وازدهارها.

ولعل أخطر حالات التفاوت بين الحياة، والتربية هي عندما يكون التباين بين مطالب الحياة، والمحتوى التربوي وخبراته، وجميع أهداف التربية وأغراضها؛ لأن التربية التي لا تتمتع بالرؤية الواضحة عن الحاضر بكل جوانبه، والمستقبل بكل أبعاده لا تعرف كيف تواجههما، وكيف تعد الأجيال لهما بالضرورة؛ لأن تحديد موقف التربية منهما لا يكون سليمًا في المستوى المطلوب إلا بقدر تغلغلها في أسرار الواقع التاريخي المتغير، وإلا تصبح الأجيال التي تربيها والخبرات التي تعلمها غير مطابقة لمتطلبات العصر، فلا تفيد أصحابها في حياتهم الحضارية، أو تكون غير مناسبة لمقومات الأمة وقيمها.

هذا ولقد أثار هذه القضية مربون كثيرون أذكر منهم (هالبارت سبنلتر) و (جون ديوي) . فبالنسبة إلى سبنلتر (1) يرى لزامًا على التربية أن تقيّم محتواها تقييمًا موضوعيًا بحيث تستطيع أن تعرف أهمية كل مادة من مواد التعليم؛ ذلك لأنه لاحظ أن تعليم اللغة اللاتينية كمادة أساسية في المحتوى التربوي في كل مستويات التعليم، في حين أن اللغة اللاتينية لم تكن مستعملة في الحياة العملية، وهو الأمر الذي دعا إلى التساؤل عن قيمة هذه المادة الصعبة التي يعاني المتعلمون الكثير من أجل تعلمها، وإذا ما عادوا إلى الحياة العملية لا تجديهم نفعًا.

أما (جون ديوي) فيرى أن المدرسة (2) كبيئة تربوية كما تتكون فيها القدرات والميول الفردية تنمو فيها كذلك وتترعرع الميول الاجتماعية. فإذا كانت المدرسة في شكلها التقليدي أبعد ما تكون عن الصورة الحقيقية في الحياة الاجتماعية الناجحة فكيف تستطيع هذه أن تحقق الميل الاجتماعي الممتاز عند الطفل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت