فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 780

لقي من هو فوقه في العلم فهو يوم غنيمته، سأله وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه في العلم علَّمه وتواضع له، وإذا لقي من هو مثله في العلم، ذاكره ودارسه" (11) ."

4 -وضع العلم في إطار من الهيبة والوقار عند إلقائه أو تدريسه:

قال عمر - رضي الله عنه: تعلموا العلم، وتعلموا له السكينة والوقار (12) .

فذلك من شأنه أن يجعل للعلم الأثر النفسي ثم العملي اللائق به، مما يوفر على المربي جهدًا كبيرًا، ويُقرِّب له التوفيق من عمله. قال أحمد بن سنان:"كان عبد الرحمن بن مهدي لا يُتحدث في مجلسه، ولا يُبْرى قلم، ولا يقوم أحد كأنما على رؤوسهم الطير، أو كأنهم في صلاة، فإن تُحُدِّث أو بُري قلم صاح ولبس نعليه ودخل" (13) فما ظنك بأثر العلم الذي يتلقونه (في نفوسهم) وهم على هذه الحال؟!

وفي المقابل: حين دخل - رحمه الله - على الوليد بن يزيد - وهو خليفة - فقال له الوليد: يا ربيعة! حدثنا! قال: ما أحدِّثُ شيئًا. فلما خرج من عنده قال: ألا تعجبون من هذا الذي يقترح عليَّ كما يقترح على المُغنية: حدثنا يا ربيعة! (14) .

الصفة الثانية: حسن السمت وتَمثُّلُ مستوى القدوة:

عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الهَدْي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة" (15) .

فهذا الحديث يبين لنا أن الذي يتحلى بالسمت الصالح والهدي الصالح يُقتدى به ويحاكي بعض صفات النبوة، وكفى بذلك شرفًا.

والسمت والهَدْي متقاربا المعنى؛ فالسمت بمعنى الطريقة أو هيئة أهل الخير (16) ، والهدي هو الطريقة أو السيرة (17) ، وهدي الرجل سيرته العامة والخاصة وحاله وأخلاقه (18) .

فهذا يشمل إذن ما يتعلق بحال المسلم من كلام وفعال وتعاملات وملبس وهيئة وحركات وسكنات ونحوه، ولا يتسع المجال - بالطبع - لاستعراض تفاصيل ذلك، ولكن لكل علم مظانه (19) .

والمراد: أن المربي أوْلى الناس بالاتصاف بحسن السمت والهدي والأدب؛ إذ إنه القدوة الأولى لمن يربيهم، وقدوة المرء من تسنن واقتدى به (20) ، وإذا كان مجرد المخالطة والاجتماع تفتح مجالًا كبيرًا لتبادل الطباع والأخلاق؛ إذ الطبع لص - كما يقولون - يسرق من غيره؛ فكيف بمن يجتمع في حقه أثر المخالطة مع أثر الاحترام والاعتراف بالفضل.

ويكفي لتصور أهمية هذه الصفة بالنسبة للمربي أن نعلم أنه عندما ينزل عن مستوى القدوة الحسنة فيتدنى مستوى فعله عن مستوى كلامه فإنه يكون أشبه بمن يُمسك في إحدى يديه قلمًا، وفي الأخرى ممحاة، فكلما كتب كلامًا بيمناه محته يسراه،"ومن لا يستطيع تصحيح أخطاء نفسه فلا يصح له أن يكون قيِّمًا على أخطاء الآخرين يصحح لهم وينقد" (21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت