فهذا عبد الله ابن عون - رحمه الله - من أعلام السلف، كانت حاله نموذجًا يُحفز الكثيرين لمحاكاته. عن معاذ قال: حدثني غير واحد من أصحاب يونس بن عبيد أنه قال: إني لأعرف رجلًا منذ عشرين سنة يتمنى أن يسلَمَ له يوم من أيام ابن عون، فما يقدر عليه (24) ، وورد مثل ذلك عن كثير من السلف في محاولتهم التأسي بحال ابن عون.
3 -يكون له أثر عام يتعدى من يرتبط بهم من المتربين ارتباطًا مباشرًا، فينتفع به آخرون بمراقبته أو بمعرفة حاله، ونحوه فيُسهم ذلك في إيجاد بيئة تربوية راشدة.
قال يونس بن عبيد: كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به وإن لم يرَ عمله ولم يسمع كلامه (25) .
4 -اكتساب كلامه وتوجيهاته قوة نفسية مؤثرة بحسب حاله، كان أبو العباس السرّاج من علماء نيسابور وعُبَّادها، وكان رجلًا تقيًا حسن السيرة، وكان الناس يسمعون كلامه. قال الحاكم: سمعت أبي يقول: لما ورد الزعفراني وأظهر خلق القرآن سمعت السرّاج يقول: العنوا الزعفراني، فيضجُّ الناس بلعنه، فنزح إلى بُخارى (26) .
ولأن سوء سيرة المربي تُذهب بركة علمه وتفقده تأثيره كان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء، وقال: اللهم استر عيب شيخي عني، ولا تُذهب بركة علمه مني (27) .
كيف يُكتسب السمت الحسن؟
هناك عدة وسائل لذلك نذكر أهمها:
1-إصلاح الباطن: فأدب الظاهر عنوان أدب الباطن،وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله،ألا وهي القلب" (28) .
2 -إعلاء قيمة التأدب وجعله من الأولويات: وقد كان السلف - رحمهم الله - منهم من ينفق في ذلك جزءًا كبيرًا من عمره، ويعتبر أنه رابح لا خاسر. قال الحسن رحمه الله: إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين (29) ، ومكث يحيى بن يحيى عامًا كاملًا يأخذ من شمائل مالك - رحمه الله - بعد أن فرغ من علمه (30) .
3 -الاطلاع على حكايات العلماء: قال أبو حنيفة: الحكايات عن العلماء أحب إليَّ من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم (31) .
4 -لزوم الصالحين والقدوات الحسنة ومن يُستحْيى منه: فإن معاشرة هؤلاء ومخالطتهم تسهل على النفس الاقتباس عنهم والانضباط بوجودهم.
قال أبو الدرداء - رضي الله عنه: من فقه الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه مع أهل العلم (32) .
وقال عبدوس: رآني أبو عبد الله يومًا وأنا أضحك، فأنا أستحييه إلى اليوم (33) .
5 -التنفيذ الفوري لما يتعلمه: عن الحسن أنه قال: قد كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشعه، وهديه، ولسانه وبصره، وبره (34) .