فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 780

ولو مكث العبد يومه كله يلهج بالحمد لله (تعالى) ما وفّى شكر نعمة واحدة من النعم الإلهية عليه، فكيف وهي نعم كثيرة لا تحصى؟ وما أهدف الدعاء النبوي الذي رواه مسلم عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: افتقدت النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).

لا يستطيع أحد أن يحصي الثناء على ربه؛ لأنه لا يستطيع أن يحصي نعمه عليه، فليسأل العون من ربه، وليقل كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يا معاذُ! إني أحبك؛ فلا تَدع أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) (12) .

شكر الجوارح:

والقلب واللسان معدودان في الجوارح والمقصود ما سواهما من بقية أعضاء الإنسان وحواسه التي يكسب بها أعماله، والحقيقة: أنه ما من عمل يعمله ابن آدم إلا وهو فيه شاكر لنعم الله أو كافر لها، ويتصور شكر الأعمال باستعمال النعم فيما يرضي الله (تعالى) وهذا يحتاج إلى فقه في دين الله (تعالى) ؛ لأن العمل الصالح الذي يرضاه الله (تعالى) يعرف من طريق الوحي قال (تعالى) : (( حَتَّى إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ) ) [الأحقاف: 15] ، فسأل العمل الصالح الذي يرضاه الله عقب سؤاله التوفيق إلى شكر النعمة؛ وهذا دليل أن الشكر باللسان وحده لا يكفي.

وقد جاء في السنة النبوية أن كل آدمي يصبح معافى في بدنه؛ فهو مطالب بثلاثمئة وستين صدقة يتصدق بها في ذلك اليوم بعدد مفاصل جسمه؛ وتكون هذه الصدقات هي الشكر اليومي الذي يفك به رقبته من النار.

وعند النظر في روايات الحديث الوارد في ذلك نجد أنه وَسّع معنى الصدقات فلم يحصرها في الصدقة المالية، بل جعلها أنواعًا من الأعمال الصالحة فيها أذكار وعبادات، وفيها أعمال اجتماعية، وفيها أعمال مهنية، وفيها أعمال دعوية.. يجمعها وصف البر والخير أو العمل الصالح، فصارت هذه الأعمال الصالحة المتنوعة فداءً يفدي به العبد نفسه من النار كل يوم.

أخرج مسلم من حديث عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (خُلق ابن آدم على ستين وثلاثمئة مفصل، فمن ذكر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، وعزل حجرًا عن طريق المسلمين، أو عزل شوكة، أو عزل عظمًا، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمئة السلامى أمسى يومه وقد زحزح نفسه عن النار) (13) .

وقد تتبع ابن رجب الحنبلي (رحمه الله تعالى) روايات هذا الحديث وألفاظه في شرحه للحديث السادس والعشرين من الأربعين النووية واستخرج منها أنواعًا كثيرة من الأعمال سماها النبي -صلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت