فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 780

4 ـ معاملة الناس حسب ظواهرهم، فلا يُشتغل بتفسير المقاصد؛ فمن الناس من تجده شكاكًا في الناس، مرتابًا في تعاملهم معه، تتجاذبه فيهم الظنون، وتتوارد عليه الرِّيب؛ فلسان حاله: فلان قد رابني أمره، ولست على يقين من فلان، وإني لفي مرية من فلان.

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدَّق ما يعتادُه من توهُّمِ

وعادى محبيه بقول عُداته وأصبح في ليل من الشك مظلم

فلا يزال هذا المسكين يعاني في هذا الأمر صعَدًا، ويقاسي منه نَصَبًا، حتى يخلد إلى الانزواء، فيتفرق شمله، وينتثر نظمه.

وإن في هذا الفعل مُجافاةً لقوله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ} [الحجرات: 12] .

وقوله -صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث» أخرجه البخاري (11) ومسلم (12) .

وقد ورد في السنة ما يدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم - كان يتعامل مع الناس حسب ظواهرهم، دون إيغال في النيات، أو تحسس في المقاصد، فمن ذلك:

ما رواه أسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ قال: «بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فصبَّحنا الحُرُقات من جهينةَ، فأدركت رجلًا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي -صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟» قال: قلت: يا رسول الله! إنما قال خوفًا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها أم لا؟! فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ» أخرجه البخاري (13) ومسلم (14) .

وما رواه أبو سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ في قصة الرجل الذي قال للرسول -صلى الله عليه وسلم -: اتق الله ـ لمَّا قسم الرسول -صلى الله عليه وسلم - تلك الذُّهَيْبة التي بعث بها علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ من اليمن على المؤلفة قلوبهم ـ فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إني لم أُومَر أن أنقِّب عن قلوب الناس، ولا أشقَّ بطونهم» أخرجه البخاري (15) ومسلم (16) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن المنافقين الذي قالوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] هم في الظاهر مؤمنون يصلُّون مع الناس ويصومون ويحجون ويغزون، والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم، كما كان المنافقون على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ولم يحكم النبي -صلى الله عليه وسلم - في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر، لا في مناكحتهم، ولا موارثتهم، ولا نحو ذلك، بل لما مات عبد الله بن أبي سلول ـ وهو من أشهر الناس بالنفاق ـ ورثه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت