فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 780

وقد أخرج البخاري (10) ومسلم (11) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا: السامُ عليك، ففهمتها، فقلت: عليكم السامُ واللعنة، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم -: «مهلًا يا عائشة! فإن الله يحب الرفق في الأمر كله» فقلت: يا رسول الله! أوَ لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «قد قلتُ: وعليكم» .

قال العلاَّمة ابن مفلح: «استُنبط منه استحباب تغافل أهل الفضل عن سَفَه المبطلين، إذا لم يترتب عليه مفسدة» (12) .

فإذا كان هذه التغافل في مثل هؤلاء الكفار، فإنه يتأكد على المسلم أن يتغافل عما يجري من أخيه المسلم من الأخطاء المعتادة؛ فالكمال عزيز، ولن تجد زوجةً، أو ولدًا، أو أخًا، أو معلمًا، أو صديقًا، أو إمامًا لمسجد، أو نحوه إلا وفيه ما يصفو وما يتكدر، فلا ترجُ خالصًا نفعه؛ فانهل من صفو صاحبك، وتعامَ عن كدره، كأنك ما سمعتَ ولا دريتَ. ولقد أجاد أبو تمام حين قال:

ليس الغبيُّ بسيد في قومه لكنَّ سيدَ قومه المتغابي

قال الإمام الشافعي: «الكيِّس العاقل هو الفطن المتغافل» (13) .

وقال عثمان بن زائدة: «قلت للإمام أحمد: العافية عشرة أجزاء تسعة منها في التغافل، فقال: العافية عشرة أجزاء كلها في التغافل» (14) .

فأَجْمِلْ بالأب في بيته، والمعلم في فصله، والمدير في دائرته، وإمام المسجد مع جماعته، وكل مسؤول مع من تحت يده، أَجْمِلْ بهؤلاء كلهم أن يتحلوا بالإغماض عن الهفوات التي لا تمس دينًا، ولا تورث شرًا، وإنما هو حقوقٌ شخصية.

ويتأكد التغافل عن الخطأ في حق من اشتدت مودته، وطالت صحبته، كما قال أبو فراس الحمداني:

لم أواخذْك بالجفاء لأني واثق منك بالوداد الصريحِ

وجميل العدو غير جميل وقبيح الصديق غير قبيحِ

7 ـ قبول أعذار الناس؛ فبما أن الإنسان لا يزال في حيِّز البشرية، يَرِدُ عليه الخطأ في تعامله مع الناس؛ فإن كفارة ذلك الذنب هو اعتذار ممن أخطأ معه.

ويتأكد في حق من اعتذر منه أن يقبل عذره، ويكل سريرته إلى الله، تأسيًا بالنبي -صلى الله عليه وسلم - ؛ فإنه لما جاءه المخلَّفون عام تبوك، وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، قَبِلَ علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وهو مع ذلك لا يصدِّق أحدًا منهم؛ بدليل أنه لما جاءه كعب بن مالك، وأخبره بحقيقة أمره، قال: «أما هذا فقد صدق» كما عند البخاري (1) ومسلم (2) .

قال الإمام ابن القيم: «من أساء إليك ثم جاء يعتذر من إساءته؛ فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته، حقًا كانت أو باطلًا، وتكل سريرته إلى الله...» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت