وتأمل يونس بن متى ـ عليه السلام ـ وهو يبين فضل هذا الرصيد الذي نفعه في محنته:
{وَذَا النُّونِ إذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .
إنه الرصيد العظيم للأيام العظيمة؛ للمحن المركبة، والظلمة المركبة؛(ظلمة حوت في بطن حوت آخر في ظلمة البحر. وأنه ذهب به الحوت في البحار يشقها حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: {لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .
5 ـ إنه لألم عظيم أن تستشعر الرفض والشذوذ ممن حولك، خاصة في المواقف الصعبة؛ وإنها لمصيبة كبرى أن تفتقد الرصيد، عند اللحظات الفاصلة، وهل هناك أصعب من المشاعر عند مشهد النهاية.
وتدبَّر مصيبة آل فرعون عند مشهد نهايتهم، ولحظات رحيلهم: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ} [الدخان: 29] .
فلم تك لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله ـ تعالى ـ فيها فقدتهم، فلهذا استحقوا أن لا يُنظَروا ولا يؤخَّروا لكفرهم وإجرامهم وعتوِّهم وعنادهم.
6 ـ ضرورة الفهم لأي قضية، حتى لا يساء الظن، ولا تُترك في النفوس أي أقاويل.
وتدبَّر كيف فسر كعب ـ رضي الله عنه ـ قضيته مصححًا معنى أنهم خُلِّفُوا، وكأنها أحد جوانب محنته العظيمة؛ وهي عدم فهم قضيته؛ عدم فهم خطئه: «كنا خُلِّفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قَبِلَ منهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أمرنا حتى قضى الله فيه؛ فلذلك قال الله ـ تعالى ـ: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 118] ، وليس الذي ذُكر مما خُلِّفنا، تخلُّفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيّانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه) (1) .
وإنه لشعور أليم أن يساء فهم موقفك؛ خاصة عند الابتلاء.
والشعور الأكثر إيلامًا أن لا تُترك لك الفرصة أن تصحح موقفك.
? ما معنى ظاهرة التآكل الروحي؟
هذه اللمحات الطيبة ما هي إلا بعض الإضاءات التي تركز على جانب واحد من الجوانب العديدة في قصة محنة كعب ـ رضي الله عنه ـ وهو الجانب المرتبط بسنة إلهية اجتماعية، تفسر لنا ظاهرة تربوية؛ وهي (ظاهرة التآكل الروحي) .
وهي ظاهرة تنشأ من خلل في التوازن التربوي بين طاقات العبد الثلاث، وهي: طاقة العقل، وطاقة البدن، وطاقة الروح؛ حيث يقل حظ الجانب الروحي في أعمال العبد، مثل: التفريط في بعض