فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 780

وإن الله أمركم بالصلاة؛ فإذا صليتم فلا تلتفتوا؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يكن يلتفت، وأمركم بالصيام؛ فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ في عصابة معه صرّة فيها مِسك، كلهم يعجب، أو يعجبه ريحه، وإن ريح الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك. وأمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك مثل رجلٍ أسره العدو، فأوثقوا يديه إلى عنقه، وقدّموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم. وأمركم أن تذكروا الله ـ تعالى ـ فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ خرج العدو في أثره سراعًا؛ حتى إذا أتى على حصنٍ حصينٍ، فأحرز ـ أي حمى ـ نفسه منهم؛ كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: وأنا آمركم بخمسٍ، اللهُ أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة؛ فإنه من فارق الجماعة قيدَ شبر فقد خلع ربقة الإسلام ـ أي عروة من الحبل تُشدّ إليه ـ من عنقه إلا أن يراجع، ومن ادّعى دعوى الجاهلية؛ فإنه جُثى ـ بضم الجيم وكسرها ـ جهنم. فقال رجل: يا رسول الله! وإن صلى وإن صام؟ قال: وإن صلى وصام ـ في المسند أضاف: وزعم أنه مسلم ـ فادعوا بدعوى الله الذي سمَّاكم المسلمين المؤمنين عباد الله» (1) .

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «في هذا الحديث العظيم الشأن ـ الذي ينبغي لكل مسلم حفظه وتعقُّله ـ ما يُنجي من الشيطان، وما يحصل للعبد به الفوز والنجاة في دنياه وأخراه. فالمقصود أن الله عز وجل، قد أمدَّ العبد بالجنود والعدد والأمداد، وبيّن له ما يحرز به نفسه من عدوه، وبماذا يفتكُّ نفسه إذا أُسِرَ» (2) .

ونحن في هذا المقام سنحاول التركيز فقط على جانب الاهتمام بالدعاء والاستغفار؛ لما لهما من آثار وقوة تعين العبد في سيره المبارك، وكبابين عظيمين من أبواب التربية الروحية.

القوة الدعائية: وهي من القوى المطلوبة لعلاج هذه الظاهرة؛ ونعني بها تنمية فن استمطار التوفيق الإلهي، وذلك بالدعاء الخاشع، والثقة فيما عنده ـ سبحانه ـ، وحسن الظن به ـ سبحانه ـ.

وإذا كان للدعاء أهمية كباب عظيم من أبواب التربية الروحية عند الفرد المسلم، فهو في حق الداعية أوجب وأهم.

وذلك لأن الداعية في طريقه يحتاج إلى ركائز ثلاث؛ هي:

1 ـ الفكرة الربانية: أي القاعدة التي توجه كل سكناته وحركته، فيكون سلوكه في الحياة ترجمة لها.

فما من فرد أو جماعة أو مؤسسة أو أمم؛ إلا وتحركهم فكرة معينة دفينة أو ظاهرة.

2 ـ العمل الدؤوب: أي سلوكه في خدمة هذه الفكرة، وهو الجهد البشري المطلوب لأي عمل {إيَّاكَ نَعْبُدُ} .

فما من فرد أو مؤسسة أو أمة أو أمم؛ إلا وسلوكهم، ما هو إلا ترجمة للفكرة التي يحملونها.

3 ـ والدعاء الخاشع: وهو طلب التوفيق الإلهي {وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت