فهرس الكتاب

الصفحة 524 من 780

وبناء على هذا السلوك الذي يترجم طبيعة الفكرة المحركة يكون الجزاء والمصير في الدنيا والآخرة.

إذن فمجال تقييم أي فرد، أو جماعة أو أمة من الأمم، وكذلك أي مشروع حضاري، يكون بناءً على المرجعية العقدية، أو المنطلق العقدي؛ لأن المنطلق العقدي هو الجانب النظري الذي يحدد السلوك الذي هو الترجمة العملية للمنطلق العقدي، والسلوك العملي هو الذي ينبني عليه المصير والجزاء.

ولذلك نستطيع أن نقول ونؤكد على مدى سمو السلوك البشري، وكذلك مدى رقي أي مشروع حضاري ينطلق من فكرة ربانية، أي قاعدة إيمانية تنبثق من منهج إلهي، من رب الناس إلى الناس؛ لذا فإن من أعظم سمات الطليعة الرائدة المنفذة هي الربانية.

والربانية نعني بها أركانًا ثلاثة:

1 -ربانية الرسالة: أي أن المنطلق العقدي يقوم على قاعدة الإيمان بالله.

2 -ربانية الوسائل: أي ربانية وسمو السلوك.

3 -ربانية الغاية: أي أن يكون الهدف النهائي هو هداية الناس لرب الناس، للفوز بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

? السمة الرابعة: الجدية في التنفيذ:

ولقد جاء في سياق القصة أن عملية التغيير قد بدأت برسولين: {إذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ} [يس: 14] .

فالرسول الثاني يقوي ويعضد الرسول الأول.

ثم قوى ـ سبحانه ـ هذين الرسولين برسول ثالث، وذلك بعد أن كذب أهل القرية الرسولين: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} .

وتقدموا ثلاثتهم بدعواهم ودعوتهم من جديد: {فَقَالُوا إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ} [يس: 14] .

فما كان من أصحاب القرية إلا أن شككوا في صدقهم، وفي صدق طبيعتهم البشرية، وفي صدق فكرتهم: {قَالُوا مَا أَنتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أَنتُمْ إلاَّ تَكْذِبُونَ} [يس: 15] .

فأعلن الرسل صدق مرجعيتهم الربانية؛ فهم رسل الله جل وعلا، وبينوا صدق فقههم لدورهم، وهو البلاغ: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [يس: 16 - 17] .

فتشاءم أهل القرية منهم وتوقعوا منهم الشر: {قَالُوا إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} [يس: 18] .

ثم هددوهم: {لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

فما كان من الرسل الكرام إلا أن ردوا عليهم بثقة: {قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } [يس: 19] .

من هذا السياق نستشعر سمة مهمة جدًا تتصف بها الطليعة الربانية، ألا وهي الإصرار على القيام بالأمر الموكول، والجدية في تحقيق الغاية من المهمة.

وهذه الجدية نلمسها من خلال تدبر جانبين أو أمرين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت