إذن لا بد أن تكون القاعدة الجماهيرية واسعة الانتشار، تشمل كل الفئات والطوائف، وتشمل كل الأمكنة؛ لأن الطليعة المؤمنة لا تدري من أين سيأتي التحرك لنصرتها، وهذا هو الشرط الكمي في تكوين الرأي العام المناصر.
? السمة الرابعة: تميز النوعية:
تذكر الآيات أن الذي تحرك في تلك الظروف الحرجة، هو نوعية معينة من البشر، نوعية زكاها الحق ـ سبحانه ـ عندما أخبرنا أن المناصرة جاءت من موقف {رَجُلٌ} .
ولقد ورد عن الرازي ـ رحمه الله ـ حول (تنكير رجل) فائدتان وحكمتان:
الأولى: أن يكون تعظيمًا لشأنه؛ أي رجل كامل في الرجولية.
الثانية: أن يكون مفيدًا لظهور الحق من جانب المرسلين، حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به، فلا يقال إنهم تواطؤوا (1) .
وهي سمة مهمة يجب أن تكون مقياس مدى قوة القاعدة المناصرة، وهو أن تكون من نوعية من الرجال بمعنى كلمة الرجال، حتى لو كانوا رجالًا مؤيدين أو محايدين.
فكلمة رجل على الأقل تحمل معنى أنه سيقول رأيه وسيتحمل تبعة ذلك!
فالقضية الكبرى ليست أن يكون هناك من يعلن رأيه، بل أن يكون مستعدًا لتحمل تبعة هذا الإعلان.
وهذا هو الشرط النوعي في تكوين الرأي العام المناصر.
? السمة الخامسة: الجدية والقوة في التنفيذ:
وعندما نستمر في تدبرنا لموقف الرجل المؤمن؛ نجد أنه قد تحرك وجاء بنفسه، بل أتى من أقصى المدينة، ثم تذكر القصة أنه جاء {يَسْعَى} .
أي أنه جاء يسرع في مشيته، وهو ما يبين مدى الجهد الذي بذله للوصول إلى مسرح الأحداث، وهو المكان الذي كان يبتلى فيه الرسل، وذلك حتى يصل في الوقت والمكان المناسبين، ليعرض رأيه في القضية، ولينتصر لهؤلاء الرسل ضد رغبة قومه.
وهو ما يبين مدى الجدية والقوة في محاولة تنفيذ ما عنّ له، ومدى حرصه على عرض رأيه في الوقت المناسب.
وقد بينا أن مقياس الكمال البشري أن يعرف الإنسانُ الحقَّ من الباطل، ثم يتبع هذا الحق بقوة وجدية، فالمواقف الحاسمة لا يلزمها مجرد الأداء الوظيفي الراتب، بل الجدية في الأداء، والإصرار على الموقف، وهما من السمات المهمة للتحولات الاجتماعية.
? السمة السادسة: معرفة تاريخها وأصلها:
لقد بدأ الرجل المؤمن خطابه مناشدًا قومه: {قَالَ يَا قَوْمِ} .
ناداهم بخطاب فيه حكمة وشفقة وعاطفة؛ لأنه منهم ويعرف طبيعتهم، ويعرفونه.