فالهدف العظيم الذي يرنو إليه أي زوجين؛ وهو حماية كيان الأسرة، لا يسوِّغ أن يكون ذلك على حساب طاعته سبحانه.
ولا يستوي بناء قام على طاعة الله ـ عز وجل ـ مع بناء قام على غير ذلك: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 109] .
? السمة الرابعة: فقهها للمرجعية:
لقد حملت خولة ـ رضي الله عنها ـ شكواها إلى الحبيب -صلى الله عليه وسلم-.
فلم تذهب لغيره -صلى الله عليه وسلم-، حتى وإن كانت عائشة رضوان الله عليها. وتدبر كيف أن خولة ـ رضي الله عنها ـ أتت إلى بيتها، وانفردت به -صلى الله عليه وسلم- ولم تشرك أحدًا في حل قضيتها.
عَنْ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ قَالَت: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصْوَاتَ؛ لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1] إِلَى آخِرِ الآيَةِ» (1) . وهذا يضع أيدينا على سمة أخرى، نستشعرها من هذا التصرف.
لقد كانت ـ مثل أي فرد داخل هذا المجتمع ـ تقر وتعلم أن لها قيادة ومرجعية تنظيمية يرجع إليها.
وكان لهذه القيادة، المرجعية في كل المجالات، سواء في مجال الفقه والتعليم، أو في مجال الأمور الحياتية العادية، أو في المجال العسكري.
وكان لها أيضًا المرجعية لكل فرد من الأمة، وكأنهم جنود داخل معسكر، يأتمرون ويرجعون إلى قيادتهم، ولم يكن يجهل ذلك أي فرد سواء الرجل أو المرأة أو الطفل.
ففي مجال الفقه في الدين، كانوا جميعًا يعودون إلى قيادتهم، ولقد وردت كلمة (يسألونك) تسع مرات في القرآن الكريم. وذلك كما في قوله ـ سبحانه ـ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: 219] .
وفي المجال العسكري والفقهي أيضًا. كما في قوله ـ سبحانه ـ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ} [الأنفال: 1] .
ويوضح هذا الملمح أيضًا أهمية وجود روح الانضباط التنظيمي داخل الأمة، ووجوب تنميتها، خاصة بين أفراد كل جماعة تتبنى المشروع الحضاري الإسلامي، وركن ذلك أن يعي كل فرد أن له قيادة ومرجعية يعود إليها.
فإذا كنا على قناعة بواقعية البشر؛ وأن من حقهم الخطأ، فلا يحق أن ننسى الضابط الذي يحمي هذه الواقعية ويمنع انحرافاتها؛ ألا وهو ضابط المرجعية التي يرجع إليها عند حدوث الخلافات.