(3) متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد، باب (156) ، جـ6، ص181. ومسلم في الجهاد، باب: كراهة تمني لقاء العدو، م3، ص1362.
(4) رواه: أبو داود في الأدب، باب: في الرفق، جـ5، ص157. وهو في السلسلة الصحيحة للألباني، رقم (1794) .
تناول الكاتب في الحلقتين الماضيتين مفهوم قوله (تعالى) : (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًا لَّكُم ) ) [النور:11] وأهمية ذلك المفهوم ضمن سياق سنن الله في التغيير، وبيّن ثمرات هذه السنة، التي كان منها: تحقيق العبودية لله (عز وجل) ، وسلامة القلب من الكثير من أمراضه، والصبر على البلايا والمصائب، ومحاسبة النفوس، والتؤدة وعدم الاستعجال.. ويواصل الكاتب وقفاته حول معنى هذه الآية..
البيان
في هذا المبحث سأتعرض ـ إن شاء الله (تعالى) ـ لبعض المواقف من السيرة المطهرة وغيرها، والتي ظهرت فيها حكمة الله (عز وجل) ورحمته، وأن ما اختاره الله (عز وجل) لعباده خير مما اختاروه لأنفسهم.
من السيرة المطهرة:
الموقف الأول: غزوة بدر الكبرى: وهي أشهر من أن تذكر؛ فلقد كانت فرقانًا بين الحق والباطل، ولكن المراد من الاستشهاد بها هنا: هو ما ظهر في هذه الغزوة العظيمة من الفرق بين ما أراده المسلمون قبل الغزوة، وكراهيتهم للقاء عدوهم، ورغبتهم في أن تكون في العير، وبين ما اختاره الله لهم من أن تكون في النفير وفي ذات الشوكة؛ يقول الله (عز وجل) : (( وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ(7) لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ )) [الأنفال: 7، 8] .
فأين الخير الذي علمه الله (عز وجل) وغاب عن المسلمين آنذاك فأرادوا غيره؟ إن الجواب في الآية نفسها؛ يعلق الأستاذ سيد قطب (رحمه الله تعالى) على هذه الآية فيقول: (لقد أراد الله ـ وله الفضل والمنة ـ أن تكون ملحمة لا غنيمة، وأن تكون موقعة بين الحق والباطل؛ ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه، وأراد أن يقطع دابر الكافرين؛ فيُقتل منهم من يقتل، ويُؤسر منهم من يؤسر، وتذل كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم، وتعلو راية الإسلام وتعلو معها كلمة الله، ويمكّن الله للعصبة المسلمة التي تعيش بمنهج الله، وتنطلق به لتقرير ألوهية الله في الأرض، وتحطيم طاغوت الطواغيت، وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا عن جزاف ـ تعالى الله عن الجزاف ـ وبالجهد والجهاد، وبتكاليف الجهاد ومعاناتها في عالم الواقع وفي ميدان القتال..