يدعو على نفسه وأحب الناس إليه؛ فهو يتكلم بصيغة الطلب والاستدعاء والدعاء، وهو غير طالب لذلك في الحقيقة؛ فكذلك يتكلم بصيغة الإنشاء وهو غير قاصد لمعناها، ولهذا يأمر الملوك وغيرهم عند الغضب بأمور يعلم خواصهم أنهم تكلموا بها دفعًا لحرارة الغضب وأنهم لا يريدون مقتضاها فلا يمتثله خواصهم، بل يؤخرونه فيحمدونهم على ذلك إذا سكن غضبهم، وكذلك الرجل وقت شدة الغضب يقوم ليبطش بولده أو صديقه، فيحول غيره بينه وبين ذلك فيحمدهم بعد ذلك كما يحمد السكران والمحموم ونحوهما من يحول بينه وبين ما يهم بفعله في تلك الحالة» ا. هـ (9) .
والحلم آفته الجهل المضرُّ به
والعقل آفته الإعجاب والغضبُ
الحادي عشر: أخذ الدروس من الغضب السابق:
فلو استحضر كل واحد منا قبل أن يُنفذ غضبه الحاضر ثمرةَ غضبٍ سابقٍ ندم عليه بعد إنفاذه لما أقدم على ما تمليه عليه نفسه الأمارة بالسوء مرة ثانية، فمنع الغضب أسهل من إصلاح ما يفسده. قال ابن حبان ـ رحمه الله تعالى ـ: «سرعة الغضب من شيم الحمقى كما أن مجانبته من زي العقلاء، والغضب بذر الندم؛ فالمرء على تركه قبل أن يغضب أقدر على إصلاح ما أفسد به بعد الغضب» ا. هـ (1) .
الثاني عشر: اجتناب وإزالة أسباب الغضب: وقد ذكرت جملة منها:
قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله تعالى ـ: «ومن الأسباب الموجبة للسرور وزوال الهم والغم: السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم، وفي تحصيل الأسباب الجالبة للسرور، وذلك بنسيان ما مضى من المكاره التي لا يمكنه ردُّها، ومعرفته أن اشتغال فكره فيها من باب العبث والمحال، وأن ذلك حمق وجنون» ا. هـ (2) .
الثالث عشر: معرفة أن المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة؛ فتركه إغلاق لباب من أبواب العصيان:
قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «ولما كانت المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة، وكان نهاية قوة الغضب القتل، ونهاية قوة الشهوة الزنى جمع الله ـ تعالى ـ بين القتل والزنى، وجعلهما قرينين في سورة الأنعام، وسورة الإسراء، وسورة الفرقان، وسورة الممتحنة، والمقصود أنه ـ سبحانه ـ أرشد عباده إلى ما يدفعون به شر قوتي الغضب والشهوة من الصلاة والاستعاذة» ا. هـ (3) .
الرابع عشر: قال ابن حبان ـ رحمه الله تعالى ـ: «لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له لكان الواجب عليه الاحتيال لمفارقته بكل سبب» ا. هـ (4) ؛ لذا فقد قال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» (5) . قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «إن الفقهاء اختلفوا في صحة حكم الحاكم في