ومع ذلك يبقى هذا الجيل وهذا المجتمع هو القمة، وهو المثل الأعلى للناس في هذه الدنيا، ولن تكون هذه المواقف سببًا للحط من شأنهم ومكانتهم ـ رضوان الله عليهم ـ. فكيف بمن دونهم؟! بل لا يسوغ أن يقارن بهم. إن ذلك يفرض على المربي أن يكون طويل النفس صابرًا عالي الهمة متفائلًا.
2-الخطاب الخاص:
وكما كان يوجه الخطاب لعامة أصحابه، فقد كان يعتني بالخطاب الخاص لفئات خاصة من أصحابه.
فقد كان من هديه حين يصلي العيد أن يتجه إلى النساء ويخطب فيهن، كما روى ذلك ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبل ولا بعد، ثم مال على النساء ومعه بلال فوعظهن وأمرهن أن يتصدقن،فجعلت المرأة تلقي القُلْب والخُرْص (1) .
بل تجاوز الأمر مجرد استثمار اللقاءات العابرة؛ فعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ أن النساء قلن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: غلبنا عليك الرجال؛ فاجعل لنا يومًا من نفسك. فواعدهن يومًا، فلقيهن فيه فوعظهن وأمرهن، فكان مما قال: (ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابًا من النار) . فقالت امرأة: واثنين فقال: (واثنين) (2) .
وقد يكون الخصوص لقوم أو فئة دون غيرهم، كما فعل في غزوة حنين حين دعا الأنصار، وأكد ألا يأتي غيرهم.
وكما بايع بعض أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئًا.
3-المشاركة العملية:
اعتاد بعض المربين أن يكون دورهم قاصرًا على إعطاء الأوامر ومراقبة التنفيذ، وهو مسلك مخالف لمنهج المربي الأول، الذي كان يعيش مع أصحابه ويشاركهم أعمالهم وهمومهم.
فشاركهم في بناء المسجد: عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم أربع عشرة ليلة... وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي -صلى الله عليه وسلم- معهم وهو يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخرة؛ فاغفر للأنصار والمهاجرة) (3) .
وشاركهم في حفر الخندق: فعن سهل بن سعد الساعدي ـ رضي الله عنه ـ قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الخندق، وهو يحفر ونحن ننقل التراب ويمر بنا فقال: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة) (4) .
وكان يشاركهم في الفزع للصوت: فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصوت فاستقبلهم النبي