إننا حين نريد تخريج الجيل الجاد فلا بد من تعويده من البداية على المشاركة وتحمل المسؤولية: في المنزل بأن يتولى شؤونه الخاصة، وفي المدرسة بأن يبذل جهدًا في التعلم.
وعلى القائمين اليوم على المحاضن التربوية أن يأخذوا بأيدي تلامذتهم، وأن يسعوا إلى أن يتجاوزوا ـ في برامجهم التي يقدمونها ـ القوالب الجاهزة، وأن يدركوا أن من حسن تربية الناشئة أن يمارسوا المسؤولية، وألا يبقوا أكلاّء على غيرهم في كل شيء، فينبغي أن يكون لهم دور ورأي في البرامج التي يتلقونها.
وحين نعود لسيرة المربي الأول فإننا نرى نماذج من رعاية هذا الجانب؛ فهو يعلم الناس أن يتحملوا المسؤولية أجمع تجاه مجتمعهم، فليست المسؤولية لفرد أو فردين؛ فعن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسًا، فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه، فقالوا: ما لك؟ قال: تأذيتم بي، ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم) (20) .
ومن ذلك أيضًا استشارته لأصحابه في كثير من المواطن، بل لا تكاد تخلو غزوة أو موقف مشهور في السيرة من ذلك، وفي الاستشارة تعويد وتربية لهم، وفيها غرس للثقة، وفيها إشعار لهم بالمسؤولية، ولو عاش أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- على خلاف ذلك، أتراهم كانوا سيقفون المواقف المشهودة في حرب أهل الردة وفتوحات فارس والروم؟
وعلى المستوى الفردي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يولي أصحابه المهام، من قيادة للجيش وإمارة ودعوة وقضاء وتعليم، فأرسل رسله للملوك، وبعث معاذًا إلى اليمن، وأمّر أبا بكر على الحج، بل كان يؤمِّر الشباب مع وجود غيرهم، فأمّر أسامة على سرية إلى الحرقات من جهينة (21) ، ثم أمّره على جيش يغزو الروم (22) ، وولى عثمان بن أبي العاص إمامة قومه (23) ... وهكذا فالسيرة تزخر بهذه المواقف.
فما أجدر الدعاة والمربين اليوم أن يسيروا على المنهج نفسه ليخرج لنا ـ بإذن الله ـ جيل جاد يحمل المسؤولية ويعطيها قدرها.
الهوامش:
(1) رواه البخاري، ح/1431، ومسلم، ح/884. القلب: الإسورة. الخُرص: القرط.
(2) رواه البخاري، ح/101، ومسلم، ح/2633.
(3) رواه البخاري، ح/428، ومسلم، ح/ 524.
(4) رواه البخاري، ح/6414، ومسلم، ح/ 1804.