فهرس الكتاب

الصفحة 673 من 780

علاقتها مع الكِتَاب أكبر؛ فما الظن بغيرهم؟ لذا فإن من الضروري لرفع مستوى التربية تركيز العناية بهذا الجانب، فكم نحن بحاجة إلى رفع مستوى العلم والثقافة والمعرفة عند المربي، وكذا عند المتربي..

لا بد أن يكون عند المربي أرضية معرفية كافية يستطيع من خلالها إدارة التربية على شكل صحيح وبوضع صحيح، إن من المقررات البديهية أننا حين نريد أن نرتقي بإنسان إلى مستوى أرفع؛ فلا بد أن نكون نحن في موضع أرفع منه حتى نستطيع أن نناوله أيدينا فيرتقي.. وحين يكون المربي أقل معرفة من المستوى المطلوب فإنه لا يملك أن يعطي شيئًا؛ إذ فاقد الشيء لا يعطيه، إنه لا بد من مخزون معرفي كافٍ يمتلكه المربي، يكون به قادرًا على تغذية التربية معرفيًا ورعايتها.

ـ وهذا يدعونا إلى القول بأن من الأمانة حين يرى المربي أن المتربي لا يستفيد منه كثيرًا، أو أنه قد نفد ما عنده ـ ليس في كل جوانب المعرفة فحسب ـ؛ فمن الأمانة أن يدفع بالمتربي ويوجهه إلى من قد يكون أكثر منه نفعًا وأقدر على العطاء.. وسيكون ذلك حسنة من حسنات المربي الأول، ودلالة على النصح والتجرد؛ مما سيكون له أعظم الأثر في نفس المتربي، بل إنه سيحس بمدى العناية التي تُقدَّم من أجله، وهو الشيء الذي سيدفع به إلى مزيد من الاجتهاد والتقدم والرقي.

أما العناية بالارتقاء المعرفي لدى الفرد فهي أيضًا مسؤولية عظيمة، يجب أن تُصرف العناية لها من سن مبكرة، تبدأ من سني العمر الأولى، وأن يستدرك ما فات بعد ذلك.

يقول أحد الباحثين: (إن تعليم القراءة للأطفال يبدأ من سن ستة أشهر..) (2) .

قد نحكم على هذا الكلام بأنه مجازفة، لكن حين يُنظر إلى أن الطفل يمكن أن تُوجَّه ميوله، وتقع عنده الرغبة والولع في القراءة من سن مبكرة جدًا؛ فإن هذا الكلام قد يكون أكثر مصداقية.

ـ حين تهيأ للطفل فرصة المعرفة من الصغر، ويرى أدواتها معروضة بين عينيه، في صورة مكتبة منزلية، أو عن طريق اهتمام أفراد الأسرة بالكتاب؛ فإن ذلك سيوجه ميول الطفل ولا بد، وسيولد عنده الرغبة شيئًا فشيئًا..

وينشأ ناشئ الفتيان منّا

على ما كان عوَّده أبوه

لقد رأينا ونحن نطالع سِيَر العلماء أن بيوت العلم قد أثَّرت في الغالب في أبنائها، فأخرجت علماء أصحاب مخزونٍ معرفيٍ ضخم. إن هذا التوجه المعرفي في البيت، وتوافر أدواته فيه، سيساعد في اكتشاف موهوبي القراءة على أقل تقدير، فضلًا عن تولُّد الرغبة في نفسه، ( «مايكل فاراداي» عالم فيزيائي شهير، كان أبوه فقيرًا، وكانت الأسرة من شدة الفقر تسكن فوق حظيرة لعربات الخيل؛ مما اضطر «مايكل» إلى الانقطاع عن الدراسة ليعمل بمحل لتجليد الكتب، ولعل هذه المهنة المرتبطة بالمعرفة كانت أحد أسباب عشقه للعلم؛ فقد كان ينكب على الكتب التي يراد تجليدها؛ مما كوَّن لديه حصيلة معرفية جيدة) (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت