مسدودٍ قد غاب عنهم، أو أسلوب غير صحيح يتم تلافيه في تجربة أخرى جديدة... لا بد أن يقال له وبوضوح: (إنك لن تعدم الفائدة حتى في إخفاقاتك) .
إن علينا ـ معاشر المربين ـ ونحن نطلب مزيدًا من إطلاق الإبداع؛ أن نمتلك حاسة شم قوية تنفذ إلى مواطن الإبداع في شخصية المتربي، وتجيد توظيفها والتعامل معها.
? خامسًا: الرسائل الخفية:
أو ما يُطلق عليها لغة الإيحاء، {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] (3) .
كم تصنع الرسائل الخفية من أثرٍ بالغٍ في شخصية المتربي دون أن نشعر؟! وهذا الأثر قد يكون إيجابيًا نافعًا، وقد يكون سلبيًا يهدم ما قد بني ويفسد ما تم إصلاحه؛ فحين تكون سيرة المربي حسنة، واستقامته جيدة، ومراقبته لنفسه مستمرة؛ فإن رسائل حسنةً منه ستظهر دون أن يشعر، تؤثر في المتربي، وتساهم في صياغة شخصيته دون كثير نصح أو توجيه مباشر. ذكر ابن حجر في ترجمة (الجُلندي ملك عُمان) عن ابن إسحاق: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث إليه عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ يدعوه إلى الإسلام، فقال: «لقد دلني على هذا النبي الأمي: أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له..» (4) ، وقال يونس بن عبيد ـ رحمه الله ـ: «كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به وإن لم ير عمله ويسمع كلامه» (5) ، وقال عبد الواحد بن زيد: «ما بلغ الحسن إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم منه» . إن «الواو والراء والدال» لا يُشَمُّ منها رائحة الورد؛ فكن بالخير موصوفًا ولا تكن للخير وصّافًا.
إن في الناس أوجهًا لامعاتٍ تملأ العين زهرة ورواءَا
ويراها البصير صورة زهرٍ لم تهبها الحياة عطرًا وماءَا
ولقد ترى الناس يتأثرون بسمت العالم والداعية وحسن دلّه وعظيم مواقفه؛ أبلغ مما يتأثرون بكلامه، بل ربما نسوا الكلام وبقيت المواقف والمُثل التي انطبعت في النفوس، وقد قيل: «من لا ينفعك لحظه لا ينفعك لفظه» .
إن القدوة الحسنة عملية تربوية مستمرة لا تعرف الملال ولا الانقطاع تساعد المتربي على الارتقاء، وبلوغ الكمالات، وتختصر الوقت، وتعطي قناعة تامة بإمكانية بلوغ الفضائل والكمالات. «إن الأسوة هي علم الحياة» ، كما قال مصطفى الرافعي (1) ـ رحمه الله ـ: (لو أقام الناس عشر سنين يتناظرون في معاني الفضائل ووسائلها، ووضعوا في ذلك مئة كتاب، ثم رأوا رجلًا فاضلًا بأصدق معاني الفضيلة، وخالطوه وصاحبوه؛ لكان الرجل وحده أكبر فائدة من تلك المناظرة، وأجدى على الناس منها، وأدل على الفضيلة من مئة كتاب ومن ألف كتاب.. إلخ) (2) . ذكر صاحب كتاب (من وحي الأسرة) (3) أن أحد علماء الشام قال له: «التقيت بسبعة إخوة حفظة كتاب الله، وكان