ـ الحوار يزيد من قبول المتربي للمربي؛ حيث يشعر أن المربي لا يمارس معهم نوعًا من إلغاء الشخصية.
وحين نطالب بالحوار؛ فإننا نقصد القيام بدور المُحاور لا المناظِر؛ فهناك فرق كبير بينهما؛ فالمناظِر يبغي إقناع صاحبه برأيه ليتبناه، بينما المحاور يقوم بإضاءة نقطة مظلمة، وتوضيح قضية غامضة لا يراها المُحاور الآخر على الوجه الصحيح، وبهذا يكون الحوار هادئًا ومنتجًا؛ لأنه يستهدف النفع المتبادل وليس الاستحواذ والاستيلاء..) (4) .
ـ إن من المهم جدًا أن نجعل الحوار أساسًا في حياتنا، لا سيما في المجال التربوي، فلا نفرض الأمور فرضًا جازمًا لا يقبل المناقشة. لقد كانت النساء من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يجدن حرجًا في مراجعته المرة تلو الأخرى في أي شأن من شؤونهن، فضلًا عن الرجال، {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ} [المجادلة: 1] ، إنه الشعور بالأمن بين المربي الرحيم -صلى الله عليه وسلم- وبين الأمة، والذي ينظر في سيرته -صلى الله عليه وسلم- يجد ما يشفي ويكفي في هذا الباب. هذا ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يأتي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول له: «إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك. فقال -صلى الله عليه وسلم-: سل عما بدا لك. فقال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك! قال: صدق. فلم يزل يسأل والنبي -صلى الله عليه وسلم- يجيبه على ما سأل حتى رجع ضمام إلى قومه مسلمًا» (1) ، إنك لتعجب وأنت تطالع مثل هذا المثال؛ فمع الجفاف في أسلوب ضمام ـ زعم، وتزعم.. ـ إلا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقابل ذلك كله بهدوء نفس وحسن إجابة.
(وهذا حصين بن عبيد يأتي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ولَمَّا يسلم بعدُ، فيبدأ النبي -صلى الله عليه وسلم- معه حوارًا منطقيًا: «كم تعبد يا حصين؟! قال: سبعة: واحدًا في السماء وستة في الأرض. قال: يا حصين من تعد من هؤلاء السبعة لرغبتك ورهبتك؟! قال: الذي في السماء..» (2) ، وبمثل هذا الحوار تُزال الشبهة ويُصحح التصور!
ـ ويذكر الشيخ عمر الأشقر في كتابه (مواقف ذات عبر) (3) ما جرى في إحدى البلاد: أن فتاةً صغيرة جاءت من المدرسة يومًا وعلامات الحزن والهمّ بادية على نفسها، فلاحظت أمها ذلك فسألتها: ما السبب يا بنيتي؟
قالت الطفلة: إن مدرّستي هددتني بالطرد إن أنا عدت بهذه الملابس الطويلة غدًا، قالت الأم المربية: ولكنها الملابس التي يريدها الله يا بنيتي! قالت الطفلة: نعم يا أماه! ولكن المدرّسة لا تريد ذلك. عندها قالت الأم بعبارة حانية وحوار هادئ: حسنًا يا بنيتي! المدرّسة لا تريد والله يريد؛ فمن تطيعين؟! أفتطيعين الذي أوجدك وصوَّرك وأنعم عليك.. أم مخلوقة لا تملك لنفسها ضرًا ولا نفعا؟