وهذا يدخل في الثمرة السابقة، حيث إنه من أفضل القربات والأعمال الصالحة، وقد أفردته هنا باعتباره ثمرة مستقلة من ثمار اليقين باليوم الآخر، وذلك لما يلي:
(1) فضل الجهاد والدعوة إلى الله (سبحانه) وأثرهما في إنقاذ الناس بإذن ربهم من الظلمات إلى النور، ولذلك كان من أحب الأعمال إلى الله (عز وجل) ، قال (تعالى) : (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ ) ) [ فصلت: 33]
(ب) وصف الرسول للجهاد بأنه ذروة سنام الإسلام.
في الجهاد أيضًا: حقيقة الزهد في الحياة الدنيا، وفيه أيضًا: حقيقة الإخلاص؛ فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله، لا في سبيل الرياسة، ولا في سبيل المال، ولا في سبيل الحمية.. وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله، ولتكون كلمة الله هي العليا، وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال للمعبود، كما قال (تعالى) : (( إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ ) ) [التوبة: 111] .
(ج) في الحديث عن الجهاد في سبيل الله (عز وجل) ومحاربة الفساد وتعبيد الناس لرب العالمين أكبر رد على الذين يرون أن التعلق باليوم الآخر والاستعداد له يعني اعتزال الناس، وترك الدنيا لأهلها، والاشتغال بالنفس وعيوبها، وترك الحياة يأسن فيها أهلها.
نعم هذا ما يراه بعض المتصوفة وأصحاب الفهم المنحرف لحقيقة الدنيا والآخرة.. ( [لقد كان ] الناس في فترات من الزمان يعيشون سلبيين، ويَدَعون الفساد والشر والظلم والتخلف والجهالة تغمر حياتهم الدنيا مع ادعائهم الإسلام هم يصنعون ذلك كله أو بعضه لأن تصورهم للإسلام قد فسد وانحرف؛ ولأن يقينهم في الآخرة قد تزعزع وضعف! لا لأنهم يدينون بحقيقة هذا الدين... فما يستيقن أحد من لقاء الله في الآخرة؛ وهو يعي حقيقة هذا الدين، ثم يعيش في هذه الحياة سلبيًّا أو متخلفًا أو راضيًا بالشر والفساد. إنما يزاول المسلم هذه الحياة الدنيا وهو يشعر أنه أكبر منها وأعلى، ويستمتع بطيباتها أو يزهد فيها وهو يعلم أنها حلال في الدنيا خالصة له يوم القيامة...، ويكافح الشر والفساد والظلم محتملًا الأذى والتضحية حتى الشهادة، وهو إنما يقدم لنفسه في الآخرة... إنه يعلم من دينه أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن ليس هنالك طريق للآخرة لا يمر بالدنيا، وأن الدنيا صغيرة زهيدة، ولكنها من نعمة الله التي يجتاز منها إلى نعمة الله الكبرى) (1) .
5-اجتناب الظلم بشتى صوره:
نظرًا لكثرة الظلم والشحناء بين المسلمين في عصرنا الحاضر، وأنه لا شيء يمنع النفس من ظلم غيرها في نفس أو مال أو عرض: كاليقين بالرجوع إلى الله (عز وجل) ، وإعطاء كل ذي حق حقه، وإنصاف المظلوم ممن ظلمه، فإذا تذكر العبد هذا الموقف العصيب الرهيب، وأنه لا يضيع عند الله