فهرس الكتاب

الصفحة 713 من 780

اللَّطِيفُ الخَبِيرُ )) [الملك: 14] ، وهو يتعامل مع الإنسان على بصيرة، بمكوناته كلها، دون إغفال إحداها لصالح الأخرى؛ لأن مطبقيه يعلمون أن ذلك الإغفال هو مدخل الخلل في الكيان البشري وانعدام التوازن فيه، وبالتالي إفلات الزمام تمامًا من قبضة المربين الذين يتولون تنشئة الإنسان، وتعرّض هذا الأخير للدمار والانتكاس.

فالتربية الإسلامية التي تنبثق من الإسلام ونظرته الشاملة في الكون والإنسان والمجتمع، تميز في المعرفة بين مجال يرتاض فيه الإنسان بطاقاته العقلية، ويصل فيه إلى اكتشاف حقائق وأسرار، وهو مجال الطبيعة الفسيح الذي لا قِبَلَ للإنسان بمعرفته إلا عن طريق الوحي الإلهي: أي عن طريق الدين الصحيح، وهو مجال (ما وراء الطبيعة) ، والكيان البشري بتعقيده الهائل وتفاعل عناصره جزء من ذلك المجال، وبتعبير واضح: مجال تنظيم حياة الإنسان وعلاقاته بالآخرين في دوائرها المختلفة وكيفية معاملته لذاته.

فإصرار الفكر الغربي على أن بوسعه معرفة كل شيء عن الإنسان هو الذي قاده إلى الطريق المسدود، والأزمة الخانقة التي تضرب الغرب بعنف شديد.

العلوم الكونية بين ذانك المنهجين:

وتقودنا المسألة الآنفة الذكر إلى البحث عن الدافع الذي كرس لدى الإنسان الغربي هذا الاعتداد بالعقل. ومن الميسور لنا أن نقول بأن التقدم العلمي الذي أحرزه الإنسان الغربي أدى إلى إصابته بالغرور والانبهار؛ فاعتقد ـ خطأً ـ أن العلم هو الآلة السحرية التي لا يند عنها شيء؛ ولا يعزب عنها مثقال ذرة، وخيل إليه من فرط إعجابه باكتشافات العلم أن هذا الأخير أصبح بديلًا عن الدين في تحقيق السعادة للإنسان.

أما التربية الإسلامية، فإنها تنظر إلى العلوم الكونية على أنها مجال لتعميق الإيمان بالخالق (عز وجل) ؛ إذ إن المعرفة ليست معزولة عن الحكمة، بل هي على العكس من ذلك المحراب الذي يقود إليها، قال (تعالى) : (( إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ) ) [فاطر: 28] ، وقال (تعالى) : (( إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ(190) الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )) [آل عمران:190، 191] .

وإننا بنظرة عميقة إلى كلمة الشهادة التي هي إعلان لدخول الإنسان في الإسلام نتبين حقيقتين عظيمتين في الوقت ذاته: الحقيقة الأولى: هي مسؤولية الإنسان الفردية في فعل الشهادة، والحقيقة الثانية: تعني أن تعبيري عن الشهادة بقولي: (أشهد أن لا إله إلا الله) (لا يحدث في فراغ أو في انعزال عن عالم الطبيعة، وإنما يحدث في عالم الطبيعة وبه، فالمعرفة المطلوبة في الشهادة لا تحدث في الإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت