فهرس الكتاب

الصفحة 751 من 780

لقد كان كرم النبي -صلى الله عليه وسلم- لا لأجل استمالة قلوبهم إلى الباطل، وتزيينه في قلوبهم، وليس لأجل كسب ودّهم وتعاطفهم مع شخصه -صلى الله عليه وسلم- بعيدًا عن وظيفته التي كلفه الله بها، وهي الرسالة السماوية الخالدة، وإنما كان لهدف سامٍ ومقصد غاية في النبل والنقاء؛ وهو تأليفهم على الحق وتقريبهم له حتى يثبتوا وتخالط بشاشته قلوبهم.

? الوقفة الثانية: (المصلحة الشرعية ميزان العطاء والمنع) :

ينبغي للقائد في مسألة العطاء والمنع أن يقوم بأمر غاية في الأهمية، حتى لا يهتز مشوار تربيته لتلاميذه وأتباعه: وهو أن يعلمهم بميزان العطاء والمنع الذي يستند إليه، بل وفي كل مسائل تأليف النفوس من تقريب فلان على غيره، والاهتمام بمجموعة على أخرى وهكذا؛ لأن ذلك مدعاة إلى ترسيخ قواعد الثقة بينه وبين الأتباع، ودحض لكل الأقاويل والترهات التي تلوكها الألسن؛ بغية التفريق، وزعزعة الصف، وتوهين لُحمته وسَداه.

فهذه السياسة البعيدة الأفق للنبي -صلى الله عليه وسلم- لم تُفهم أول الأمر، بل أطلقت ألسنة شتى الاعتراض؛ فهناك مؤمنون ظنوا هذا الحرمان ضربًا من الإعراض عنهم، والإهمال لأسرهم.

روى البخاري عن عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قومًا ومنع آخرين؛ فكأنهم عتبوا عليه، فقال: «إني أعطي قومًا أخاف هلعهم وجزعهم، وأَكِلُ قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم عمرو بن تغلب» قال عمرو: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حمر النعم؛ فكانت هذه التزكية تطييبًا لخاطر الرجل، أرجح لديه من أثمن الأموال» (4) . فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يستخدم هذه السياسة، ويثبت تلك القاعدة العتيدة في ميزان العطاء والمنع؛ «أعطي قومًا أخاف هلعهم وجزعهم، وأَكِلُ قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى» ، بل يبين مقاصدها وأهدافها؛ فها هو يقول للأنصار: «أَوَجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لُعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟» .

إن الدعوة إلى تمثل هذا الميزان من قِبَل الموجهين، والمربين، والقادة في الحقل الدعوي ليس معناه أن يبقى القائد رهينًا لأهواء تلامذته، وانتقاداتهم، وأمزجتهم، بل إن المسألة لا تعدو أن تكون تربية بالمواقف؛ فهو يستغل كل موقف وحدث استغلالًا رائعًا حتى يجعله لبنة في بنيان النفوس، وحبلًا يشدّ ويمدّ إلى رب العالمين؛ فترتبط بخالقها وبارئها، فلا ترتبط بهذه الدنيا وحطامها وشهواتها؛ ولذا كان لزامًا على القائد أن يكون قريبًا من رجاله وتلامذته، يتحسس أخبارهم ولا يتجسس، ويشعر بآلامهم، ويقيّم مواقفهم ببراءة نفس، وصفاء سريرة دون أي مقدمات مسبقة، أو تراكمات سابقة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت