فهرس الكتاب

الصفحة 755 من 780

حظوظ الدنيا، وهو خالي الوفاض من دينه، وتمسكه بما أمر ربه، والتزام ما نهى؛ فالتخليط ديدنه، والتلوُّن طريقته، والترخُّص هِجِّيراه وعادته.

? الوقفة السادسة: الموعظة وليس الغلظة والفظاظة:

المتأمل لردة فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبما خاطب الأنصار في الحظيرة يجد أنه استخدم بذكائه العظيم، وحسن سياسته للأمور، أسلوب الموعظة. لقد عرف -صلى الله عليه وسلم- من هم الأنصار، وما هي نفسياتهم، وفيمَ يفكرون، وكيف يتعاملون؟! عرفهم في البأساء والضراء، عرف فيهم دماثة الأخلاق، والكرم الجم، والحب الكبير له -صلى الله عليه وسلم-؛ فلماذا إذًا يعنِّفهم ويقسو عليهم؟ وهو القائل: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه» (1) ، وهو الذي قال عنه ـ المولى تبارك وتعالى ـ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .

وما أحوج قادة العمل الدعوي إلى استخدام هذا الأسلوب الدعوي العظيم إذا اعوجَّ سلوك النخبة من تلامذتهم وأتباعهم! ماذا يضيرهم لو سلكوا هذا المنحى؟ قد يظن بعضهم أنه ربما ينقص من قدره ومكانته، بل العكس إنما هو رفعة له في قلوبهم، وازدياد معدل المحبة فيها.

لقد عاتب -صلى الله عليه وسلم- أنصار دعوته ومحبيه ليدلل على محبته لهم، واهتمامه بحالهم وأوضاعهم، يعيش آلامهم، ويحس بجراحهم لتبقى المودة على الدوام.

أعاتب ذا المودة من صديق إذا ما رابني منه اجتنابُ

إذا ذهب العتاب فليس ود ويبقى الود ما بقي العتابُ

«فما ثَمَّ شيء أحسن من معاتبة الأحباب، ولا ألذ من مخاطبة ذوي الألباب» (2) ومن هنا كان لزامًا على من تولى قيادة النفوس أن يتقن فن الوعظ وطرقه؛ لأنه سيحتاج إليه حتمًا في مسيرته التربوية والدعوية؛ فالسآمة والملل وتكرار صور الحياة أمور يجب الخوف منها، ومدافعتها عن قلوب الأتباع؛ فها هو ابن مسعود يقول: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (3) .

ويحتج بعضهم أن القيادة مشغولة بمهام عدة، وربما ليس عندها وقت لتجلس مع أتباعها، وتُصلح ما فسد بينهم بسبب الشحناء والاختلاف. وهذا غير صحيح ومجانب لواقع النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ألم يكن بمقدور النبي أن يغض الطرف عن ما بدَر من الأنصار ويذهب لمهامه العظام؟ أليس شغل النبي -صلى الله عليه وسلم- في تلك الفترة أعظم من انشغالات قيادات اليوم؟ بلى! ولكن القضية هي لا مبالاة قاتلة بواقع الأتباع، يرتكبها القادة بقصد أو بغير قصد. والنتيجة سيئة للغاية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت