وصاحب ذلك شيطان يزين، ودنيا تتعرض بفتنها: فالغالب عدم السلامة. ولكن المخالف للحق هنا: إما أن يكون لديه بقية تقوى وخوف من الله (عز وجل) فيعترف بذنبه، ويستغفر منه ويتوب، أو يكون (عياذًا بالله) قد رقّ دينه وسيطر عليه هواه فأخذ يلتمس مبررًا لباطله، ويبحث هنا وهناك عن شبهة يظهر بها باطله ومخالفته في قالب الحق والموافقة لدين الله، وهذا هو الخداع والتلبيس، ولا علاج له إلا بتقوى الله (سبحانه) ، واليقين بالرجوع إليه.
نعم.. إنه لا يمنع من الوقوع في الباطل بعد العلم والبصيرة، ولا يمنع من تلبيسه على الناس إلا الإيمان باليوم الآخر إيمانًا جازمًا ويقينًا صادقًا، وإن لم يتذكر العبد هذا اليوم ويحسب له حسابه: فلن يفيده في ذلك العلم والبصيرة؛ فكم من عالم بالحق تنكب عنه وخالفه، أما إذا انضم إلى العلم والبصيرة: الصبر والتقوى والخوف من الحساب يوم القيامة، فإن الشهوة ستنقمع وإن الهوى سيُغلب، وعندها: يختفي اللبس والتلبيس والخداع والمغالطة في دين الله (عز وجل) ؛ يقول الإمام ابن القيم (رحمه الله) ـ في معرض رده على المحتالين على شرع الله بالحيل الباطلة ـ: فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكَاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكرًا وخديعة من الأقوال والأفعال. (2) .
ويقول سيد قطب (رحمه الله) ـ في ظلال قوله (تعالى) : (( وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ) [الأعراف: 169] ـ:
نعم.. إنها الدار الآخرة! إن وزنها في قلوب الذين يتقون هو وحده الذي يرجح الكفة، وهو وحده الذي يعصم من فتنة العَرَض الأدنى القريب في هذه الدنيا.. نعم، إنها هي التي لا يصلح قلب ولا تصلح حياة إلا بها؛ ولا تستقيم نفس ولا تستقيم حياة إلا بملاحظتها (3) .
أسباب أخرى مساعدة:
وبعد ذكر السببين الرئيسين للوقاية من اللبس والتلبيس، وهما: البصيرة في الدين الذي تدفع به الشبهة، والصبر والتقوى اللذان تدفع بهما الشهوة: نذكر فيما يلي بعض الأسباب المساعدة لتثبيت السببين السابقين:
3-محاسبة النفس ومجاهدتها وتحصينها بالذكر والدعاء والعمل الصالح:
حيث لابد للمسلم من محاسبة دائمة للنفس، ومجاهدة لها في تطويعها لشرع الله (عز وجل) والحذر من الشيطان الذي لا يفتأ يوسوس ويزين لها الباطل، فإن لم يتفقد كل منا نفسه، ويسد على الشيطان مداخله المتعددة؛ فإن النفس تكون على خطر أن تنساق مع شهواتها وهواها، فيحصل من جراء ذلك:اللبس والتلبيس والتضليل والمغالطة، إما بعلم أو بجهل، وإن مما يؤكد أهمية المحاسبة الدائمة واليقظة الشديدة للنفس ما يحصل من كثير منا في يومه أو غده من المغالطات والمعاذير الكاذبة والتبريرات الغامضة، سواء أكان ذلك مع النفس أو مع الناس، ولكنها تكثر وتقل حسب التقوى