الفائدة الثَّالثة
في تعريف المُسنِد والمحدِّث والمُفيد والحافظ، والفرق بينها.
فأدنى درجات الأربعة
المُسنِد _بكسر النُّون_ وهو مَن يَروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به أو ليس له إلَّا مجرَّد الرِّواية.
وأمَّا المُحدِّث فهو أرفع منه، وهو العالِم
ص 13
بطُرُق الحديث؛ وأسماء الرُّواة؛ والمُتون، لا مَن اقتصر على السَّماع المجرَّد.
وأمَّا المُفيد فرتبته فوق رتبة المحدِّث ودون الحافظ في العُرف، كما أنَّ الحُجَّة فوق الثَّبْت، كما قاله الذَّهَبيُّ.
وقال هذه العبارة _يعني المفيد_ أوَّل [1] ما استُعمِلت لَقبًا قبل الثلاث مائة؛ لُقِّب بها أبو بكر محمَّد بن أحمد بن يعقوب. ذكره السُّيُوطِيُّ في (( طبقات الحُفَّاظ ) ).
وأمَّا الحافظ فالسَّلَف يُطلقونه والمحدِّثَ لمعنى واحد، والحقُّ أنَّ الحافظ أخصُّ، وهو _أي الحافظ_ في المتأخِّرين المُكثِرُ من الحديث حفظًا وروايةً؛ المتقِنُ لأنواعه ومعرفة رواته؛ دِرايةَ المُدرِك للعِلَلِ [2] ؛ السَّالم في الغالب من الخلل.
وأمَّا قول أبي بكر بن أبي شَيْبةَ مَن لم يكتب عشرين ألف حديث إملاءً لم يُعدَّ صاحبَ حديثٍ. فذاك عند المتقدِّمين بحسب أزمنتهم.
لكن قال الزُّهريُّ لا يولَد الحافظ إلَّا كلَّ أربعين سنةً.
وقال الحافظ ابن حَجَرٍ للأئمَّة شروطٌ إذا اجتمعت في الرَّاوي سمَّوه [3] حافظًا، وهي الشُّهرة بالطَّلَب، والأخذُ من أفواه الرِّجال [لا من الصُّحُف، والمعرفةُ بطبقة الرُّواة ومراتبهم، والمعرفةُ بالتَّجريح والتَّعديل] [4] ، وتمييز الصَّحيح من السَّقيم حتَّى يكون ما يستحضره من ذلك أكثرَ ممَّا لا يستحضره؛ مع استحضاره لكثيرٍ من المتون.
وقال الحافظ أبو شامةَ ما ملخَّصه علوم الحديث الآنَ ثلاثة
أشرفها حفظ متونه، ومعرفة غريبها وفقهها.
والثَّاني حفظ أسانيدها، ومعرفة رجالها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وهذا كان مُهمًّا [5] ، وقد كُفِيَه المشتغِلُ بالعلم بما صُنِّف وأُلِّف فيه من الكتب.
والثَّالث جمعه، وكتابته،
ص 14
وسَماعه، وطريقه، وطلب العُلوِّ فيه، والرِّحلة إلى البلدان. ثمَّ ذَمَّ المشتغل [6] بهذا دون غيره.
لكن قد نظر الحافظ ابن حَجَرٍ في كلام أبي شامة بأنَّ قوله (وهذا قد كُفِيَهُ المشتغل بالعلم بما صُنِّف فيه) قد أنكره أبو جعفر بن الزُّبَير وغيره، ويُقال عليه إنْ كان التَّصنيف في الفنِّ يوجب الاتِّكالَ على ذلك وعدم الاشتغال به فالقول كذلك في الفنِّ الأوَّل، فإن فقه الحديث وغريبه لا يُحصى كم مصنَّف فيه؟ بل هي أكثر من التَّصانيف في تمييز الرِّجال والصَّحيح من السَّقيم، فإن كان الاشتغال بالأوَّل مُهِمًّا فالاشتغال بالثَّاني أهمُّ؛ لأنَّه المِرقاة إلى الأوَّل، فمَن أخلَّ به خلَطَ السَّقيمَ بالصَّحيح والمُعَدَّلَ بالجريح وهو لا يشعر.
فالحقُّ أنَّ كُلًّا منهما مهمٌّ في علم الحديث، ولا شكَّ أن مَن جمعهما حاز القَدَحَ [7] المُعلَّى مع قصور فيه إن أخلَّ بالثَّالث، ومَن أخلَّ بالأوَّل والثَّاني فلا حظَّ له في اسم الحفَّاظ، ومَن أحرز الأوَّل وأخلَّ بالثَّاني كان بعيدًا من اسم المحدِّث عُرفًا، ومَن أحرز الثَّاني وأخلَّ بالأوَّل لم يبعد عنه اسم المحدِّث [ولكن فيه نقص بالنسبة للأول] [8] .
وبقي الكلامُ في الفنِّ الثَّالث؛ وهو السَّماع وما ذُكر معه ولا شكَّ أنَّ من جمعه مع الفنَّيْن الأَوَّلين كان أوفرَ سهمًا، وأحظَّ قَسمًا، ومَن اقتصر عليه كان أخسرَ [9] حظًّا وأبعد حفظًا.
فمَن جمع الأمورَ الثَّلاثة كان فقيهًا محدِّثًا كاملًا، ومَن انفرد باثنين منها كان دونه، وإن كان لا بدَّ من الاختصار على الاثنين [10] فليكن الأوَّلَ والثَّاني.
وهل يسمَّى
ص 15
محدِّثًا أو لا؟ فيه تردُّدٌ.
وأمَّا من اقتصر على الثَّاني والثَّالث فهو محدِّثٌ صِرْفٌ؛ لا حظَّ له في اسم الفقه، كما أنَّ مَن انفرد بالأوَّل لا حظَّ له في اسم المحدِّث كما ذكرنا. انتهى مُلَخَّصًا.
وقد سُئل الحافظ ابن حَجَرٍ عن رجلٍ اشتغل بعلم الحديث، وقرأ فيه على أهل فنِّه أصلًا من أصوله، وحَلَّه، وبحثه، وفهمه، ودارس [11] أهله فهل يقوم له ذلك مقام عُلوِّ السَّند؟ وهل تترجَّح مرويَّاته على مَن علا سنده؟ وأيُّهما الأولى بالأخذ عنه [12] ؟
فأجاب لا يكون حافظًا ولا محدِّثًا في الاصطلاح إلَّا من عرف الأمرَين ومارس الفنَّين.
وأمَّا من اقتصر على أحدهما _كمن اقتصر على المرويَّات ومارس القراءة والسَّماع، ورحل في ذلك للقاء الشُّيوخ، وحصَّل من ذلك ما يُطلَق عليه اسم الاستكثار من ذلك عُرفًا، وأهمل مع ذلك معرفة [13] الاصطلاح بحيث لا يصلح أن يُدرِّسه ويُفيده_ فهذا يُقال له [14] مسند وراوي، وقد يُطلَق عليه اسم محدِّثٍّ، لكن بالنِّسبة لمن جمع الأمرَين إنَّما يُقال له مجازًا.
وإن اقتصر على معرفة الاصطلاح المتعلِّق بالأنواع؛ حتَّى فهمه وصلح أن يدرِّسه ويفيده فهذا يقال له عالم بعلوم الحديث، ولا يُسمَّى محدِّثًا أصلًا.
ولا يترجَّح ما عنده من رواية على رواية الأوَّل إذا كان أعلى سنَدًا [15] ؛ إلَّا إنْ حصلت السَّلامة منه غالبًا من الخطأ في الإعراب.
وأمَّا الخطأ في أسماء الرُّواة؛ فلا يأمن منه غالبًا إلَّا مَن أكثر القراءة والسَّماع، ومارس ذلك، وأكثرَ منه، وإلَّا فهو شيء لا يدخله القياس فيقابَل [16] خطأُ هذا في
ص 16
الأسماء بخطأ هذا في الكلمات إن اتُّفِقَ وقوع ذلك من كلٍّ منهما، ويبقى للراوي علوُّ الرِّواية، فيقدَّم بها.
وأمَّا مَن جمع الأمرَين فهو الكامل، وأقلُّ ما يكفي من يريد قراءة الحديث أن يعرف [17] العربيَّة أن لا يلحن ويمارس أسماء الرِّجال؛ بحيث يأمن من التَّصحيف فيه، وتكون له مَلَكةٌ على قراءة الخطوط ولو تنوَّعت.
ومن توقَّى [18] واحدةً من الثَّلاث أثَّر فيه تأثيرًا ظاهرًا، ومن زاد بحيث [19] كان له معرفة بشيء من معاني الحديث كان أرفع درجةً. انتهى.
ثمَّ إنَّ الوصف بالحافظ _كما قاله الحافظ [20] الخطيب رحمه الله_ عند الإطلاق ينصرف إلى أهل الحديث خاصَّةً، وهو سِمَةٌ لهم لا تتعدَّاهم [21] ، ولا يوصَف بها أحدٌ سواهم؛ لأنَّ الرَّاوي يقول حدَّثَنا فلانٌ الحافظ، فيحسن منه إطلاق ذلك؛ إذ كان مستَعمَلًا عندهم؛ يوصَف به علماء أهل النَّقل ونقَّادُهم.
ولا يقول القارئ لقَّنني فلانٌ الحافظُ، ولا النَّحَويُّ علَّمني فلانٌ الحافظُ. فهي أعلى صفات المحدِّثين وأسمى سِمات [22] النَّاقلين، مَن وُجِدتْ فيه قُبِلت أقاويلُه؛ وسُلِّم له تصحيح الحديث وتعليله.
غير أنَّ المتحقِّقين بها [23] يقِلُّ معدودُهم ويَعِزُّ؛ بل يتعذَّر وجودهم.
قال الحافظ السُّيُوطِيُّ في (( الخصائص الصغرى ) )واختُصُّوا _يعني المحدِّثين_ بالتَّلقيب بالحفَّاظ وأُمراء المؤمنين من بين سائر العلماء.
وقال ابن السّمعانيُّ إنَّ الحافظ لقبٌ لجماعةٍ من أئمَّة الحديث؛ لحفظهم له؛ ولمعرفتهم [24] إيَّاه؛ وذَبِّهم عنه؛ فيهم [25] شهره [26] .
والحفظ إمَّا السَّرْدُ مع المعرفة والإتقان، أو المعرفة والإتقان مع
ص 17
الاستحضار من الكتب.
والنَّاس يتفاوتون في الحفظ، وكم من حافظٍ وغيرُه أحفظُ منه؟
وقال عبد المؤمن بن خلَف النَّسَفيُّ سألتُ أبا عليٍّ صالحَ بنَ محمَّد، قلت يحيى بن مَعِين هل يحفظ؟ قال لا؛ إنَّما عنده معرفة. قلت فعليٌّ بن المَدِينيِّ كان يحفظ؟ قال نعم؛ ويَعرِف.
وقال ابن مَهدي الحفظ الإتقان.
قال أبو زُرْعة الإتقان أكثر من حفظ السَّرد.
وقال إسحاق بن راهَوَيْهِ كأنِّي أنظر إلى مئة ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفًا أسرُدُها. وفي رواية وأحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف حديث مزوَّرة، فقيل له ما معنى حفظ المزوَّرة؟! قال إذا مرَّ بي فيها [27] حديث من [28] الأحاديث الصَّحيحة فلَّيتُه منها.
وسئل أبو زُرعة عن رجل حلف بالطَّلاق أنَّ أبا زُرعة يحفظ مائتي ألف حديث هل حنث؟ قال لا. ثمَّ قال [29] أحفظ مئة ألف حديث [30] كما يحفظ الإنسان [31] {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} ، وفي المذاكرة [32] ثلاث مائة ألف حديث.
وقال أبو زُرعة كان أحمد ابن حنبل يحفظ ألفَ ألفِ حديث. قيل له وما [33] يُدريكَ؟ قال ذاكرتُه؛ فأخذت عليه الأبواب.
وقال البُخارِيُّ أحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح.
إلى غير ذلك ممَّا نُقل من سَعة حفظ السَّلَف رضِيَ اللهُ عنهم، وما ذاك إلَّا أنَّه لم يَزَل الحديث النَّبَوِيُّ _والإسلام غَضٌّ قويٌّ [34] ، والدِّين بحكم [35] الأساس قويٌّ_ أشرفُ العلوم وأجلُّها لدى الصَّحابة والتَّابعين وأتباعهم خلَفًا بعد سلَفٍ، لا يَشرُف
ص 18
بينهم أحدٌ _بعد حفظ التَّنزيل_ إلَّا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظُم في النُّفوس إلَّا بحسب ما يسمع من الحديث عنه.
فتوفَّرت الرَّغَبات فيه، وانهمكت الهمم على نقله [36] ، حتَّى رحلُوا المراحل ذوات العَدَد، وأفنَوا الأموال والعُدَد، وقطعوا الفيافي في طلبه، وجابوا البلاد شرقًا وغربًا بسببه.
وكان اعتمادهم أوَّلًا على الحفظ والضَّبط في القلوب والخواطر، غيرَ متلفِّتين [37] لكتابته، وذلك لسرعة حفظهم وسيَلان أذهانهم.
[1] في (ز) (أولى) .
[2] في (ز) (المعلل) .
[3] في (ز) (سمي) .
[4] ما بين معقوفين سقط من (ز) .
[5] في (ز) (كاف منهما) .
[6] في (ز) (الشغل) .
[7] في (ز) (جاز القطع) .
[8] ما بين معقوفتين سقط من (م) .
[9] في (ز) (أخس) .
[10] في (ز) (اثنين) .
[11] في (ز) (ومارس) .
[12] في هامش (م) بلغ مقابلة على حسب الطاقة.
[13] في (ز) (معرفته) .
[14] في (ز) (فيه) .
[15] في (ز) (كان أهلًا مسندًا) .
[16] في (ز) (فقابل) .
[17] زيد في (ز) (من) .
[18] في (ز) (قصر في) .
[19] في (ز) (حيث) .
[20] (الحافظ) ليس في (ز) .
[21] في (ز) (يتعداهم) .
[22] في (ز) (درجات) .
[23] في (ز) (المستحقين لها) .
[24] في (ز) (ومعرفتهم) .
[25] (فيهم) ليس في (ز) .
[26] في (ز) (شهرة) .
[27] في (ز) (منها) .
[28] في (ز) (في) .
[29] زيد في (ز) (إني) .
[30] زيد في (ز) (وقال) .
[31] زيد في (ز) (سورة) .
[32] في (م) (الذَّاكرة) .
[33] في (ز) (ما) .
[34] في (ز) (طري) .
[35] في (ز) (محكم) .
[36] في (ز) (تعلمه) .
[37] في (ز) (ملتفتين) .