وبعدُ
فإنَّ أجلَّ العلوم _بعد كتاب الله العزيز_ وأسنى المعارف الَّتي هي كالذَّهب الإبريز علم الحديث الشَّريف، ذو القدر المُنيف؛ لأنَّه يعرَف به مراد ربِّ العالمين، ويظهر به مقصود الذِّكر المبين [1] ؛ من حيث تبيينُ المُجملات، وظهور الأمور الجزئيَّات.
لا جَرَمَ كان الاشتغال به من أعظم القُرَب، وصرفُ الوقت في تحصيله من أجلِّ الرُّتب
~ كلُّ العلوم سوى القرآن مَشغَلَةٌ إلَّا الحديثَ وإلَّا الفقهَ في الدِّين
ولأجل ذلك كان أصحابُه خيرَ أصحابٍ، وعلماؤه أجلَّ أجِلَّةٍ وأنجاب، ولِمَ لا؟ وهم خدَمَة السُّنَّة المطهَّرة، وعصابة الطَّريق الَّتي هي بكلِّ خيرٍ مشتهِرة!
سهروا في تحصيله الَّليالي، وأشرقت عليهم مدلهمَّاتها [2] كالَّلآلي، ورحلوا في حبِّه إلى البلاد الشَّاسعة والأقطار الواسعة.
ولله درُّ أبي محمَّد ابن [3] السَّرَّاج؛ حيث قال يمدحهم _فيما أنشَدَناهُ غيرُ واحدٍ من شيوخنا عن الرَّضيِّ
ص 2
الأوجاقي، عن أبي اليمن بن الكويك [4] ، عن أبي الحسن بن قُريش؛ عن الحافظ الزَّكيِّ المُنذريِّ، عنه_
~ للهِ دَرُّ عِصابةٍ يَسعَون في طلبِ الفوائد
~ يُدعَون أصحابَ الحديـ ـث بهم تجمَّلتِ المشاهد [5]
~ طورًا تراهم بالصَّعيـ ـد وتارةً في ثغر آمد
~ فهم النُّجوم الُمهتَدَى بهم إلى سُبُل المقاصِد
ويكفيهم من الفضل العظيم والمَنِّ الجسيم دعاءُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لهم بالنُّضرة والنَّعيم، في الحديث الذي رواه التِّرمِذِيُّ وغيرُه بلفظ «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» .
و «نضَّر» بتشديد الضَّاد، وتُخفَّف، من النُّضرة؛ وهي الحُسْن والرَّونق، والمعنى خصَّه الله بالبهجة والسُّرور؛ لأنَّه سعى في نضارة العلم وتجديد السُّنَّة، فجازاه في دعائه له بما يناسب حاله في المعاملة.
ولأنَّ من حفظ ما سمعه، وأدَّاه كما سمعه من غير تغييرٍ كأنَّه جعل المعنى غضًّا طريًّا.
وقال الفُضَيل بن عِيَاضٍ رحمه الله ما أحدٌ يطلب الحديث إلَّا وفي وجهه نُضرةٌ؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم «نضَّرَ اللهُ امْرَأً [6] سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ» .
ورُوِي عن سُفيان بن عُيَيْنة أنَّه قال مثل ذلك.
ورُوِّينا عن الإمام الشَّافعي رضي الله عنه أنَّه قال إذا رأيتُ رجلًا من أصحاب الحديث فكأنِّي رأيتُ رجلًا من أصحاب النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، جزاهم الله خيرًا؛ أنَّهم حفظوا علينا الأصلَ،
ص 3
فلهم علينا فضلٌ. انتهى.
وما أحسنَ قولَ الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وقد سُئل مَن النَّاس؟ فقال ما النَّاس إلَّا مَن قال حدَّثَنا وأخبَرَنا.
وقد تخيَّر الله العدولَ لحمله وتمييزه ونقله، فأوضحوا معانيَه، وحفظوه من التَّبديل والتَّحريف، وتصرَّفوا في مبانيه [7] أحسنَ تصريفٍ، فهم كما وصفهم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الذي رُوي من طُرُقٍ؛ فهو حسنٌ عند بعضهم، بل صحَّحه الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وهو أنَّه قال «يَحْمِلُ هَذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ؛ يَنفُونَ عنه تَحريفَ الغَالِينَ؛ وانْتِحالَ المُبْطِلِينَ؛ وتأويلَ الجاهِلينَ» .
وفي هذا الحديث تخصيصُ حَمَلةِ السُّنَّة بهذه المَنقَبة العَلِيَّة، وتعظيمٌ لهذه الأمَّة المحمَّدية، وبيانٌ لجلالة قدر المحدِّثين وعلوِّ مرتبتهم في العالمين؛ لأنَّهم يحمون مشارع الشَّريعة ومتون الرِّوايات من تحريف الغالين؛ وتأويل الجاهلين؛ بنقل النُّصوص المُحكَمة لردِّ المُتشابه إليها.
وقال النَّوَويُّ في أوَّل (( تهذيبه ) )هذا إخبارٌ منه صلَّى الله عليه وسلَّم بصيانة هذا العلم وحفظه؛ وأنَّ الله تعالى يوفِّق له في كلِّ عصرٍ خلفاء من العدول يحملونه وينفون عنه التَّحريف، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كلِّ عصرٍ، وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النُّبوَّة، ولا [يضرُّ كونُ] [8] الفُسَّاق تعرف شيئًا من [9] علم الحديث، فإنَّ [10] الحديث إنَّما هو إخبارٌ بأنَّ العدول يحملونه، لا أنَّ غيرهم لا يعرف شيئًا منه. انتهى.
على أنَّه قد يُقال ما يعرفه الفسَّاق من العلم ليس بعلم حقيقةً؛ لعدم عملهم به،
ص 4
كما أشار إليه السَّعد في تقرير قول (( التلخيص ) ) (وقد يُنزَّل [11] العالمُ منزلة الجاهل) ، وقد صرَّح به الإمام الشَّافعي في قوله ولا العلم إلَّا مع التُّقى، ولا العقل إلَّا مع الأدب.
ويكفيهم من الشَّرف والنِّعمة دعاؤه صلَّى الله عليه وسلَّم لهم بالرَّحمة في الحديث الذي رواه الطَّبَرانيُّ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم «اللَّهمَّ ارْحَمْ خُلَفائي» . قلنا يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال «الَّذينَ يَرْوُوْنَ أحاديثي، ويعلِّمونها النَّاسَ» .
[ولا ريب أنَّ] [12] أداء السُّنن إلى المسلمين نصيحةً لهم من وظائف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فمَن قام بذلك كان خليفة لمن يبلِّغ عنه.
وقال سُفيان الثَّورِيُّ لا أعلم عِلمًا أفضلَ من طلب الحديث؛ لمَن أراد به [13] وجه اللهَ، إنَّ النَّاسَ يحتاجون إليه حتَّى في طعامهم وشرابهم، فهو أفضل من التَّطوُّع بالصَّلاة والصِّيام؛ لأنَّه فرضُ كِفايةٍ.
[1] في (ز) (المتين) .
[2] في (ز) (مدلولاتها) .
[3] (ابن) ليس في (ز) .
[4] في (ز) (أبي اليمن الوكيل) .
[5] زاد بعدها في (ز) (يتبعون من العلوم بكل أرض كل شارد) .
[6] في (م) (من) .
[7] في (ز) (بيانه) .
[8] في (ز) (يتركون) ، وعبارة التهيب (ولا يضر مع هذا كون) .
[9] في (ز) (في) .
[10] زاد في (م) (ما في) ، وهي ليست موجودة في مطبوع التهذيب.
[11] في (م) (يُتنزَّل) .
[12] في (ز) بدل مما بينهما (ولأنَّ) .
[13] (به) ليس في (ز) .