فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 38

الأوَّل

الحديث وأصله ضدُّ القديم، وقد استُعمل [1] في قليل الخبر وكثيره؛ لأنَّه يحدُث شيئًا فشيئًا.

قال الحافظ ابن حجر وكأنَّه أُريدَ به _يعني إطلاق الحديث على ما يُضاف إليه صلَّى الله عليه وسلَّم_ مقابلةُ القرآن؛ لأنَّه قديم.

والحديث اصطلاحًا يُطلَق على ما أُضيف إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قولًا أو فعلًا أو تقريرًا أو همًّا أو وصفًا خَلْقيًّا ككونه ليس بالطويل ولا بالقصير، أو أيَّامًا كاستشهاد عمِّه حمزة بأُحُدٍ؛ وقتلِ أبي جهلٍ، أو أخلاقًا ككونه أحسن النَّاس خُلُقًا، وكان لا يواجه أحدًا بما يكره، وكان لا ينتقم لنفسه إلَّا أن تُنتهك حرمات الله، وكقول ابن عبَّاس كان أجودَ النَّاس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان .... الحديث، ونحو ذلك.

ويعبَّر عن هذا بعلم الحديث روايةً، ويُحَدُّ بأنَّه علم يشتمل على نقل ذلك، وروايته، وضبطه، وتحرير ألفاظه.

وقال الكَرْمانيُّ في (( شرح البخاريِّ ) )واعلمْ أنَّ علم

ص 8

الحديث موضوعُه ذاتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من حيث إنَّه رسول الله.

وحَدُّه علم يُعرف به أقوال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأفعاله وأحواله.

وغايته هو الفوز بسعادة الدَّارَين.

واعترضه بعض الحفَّاظ بأنَّ هذا الحدَّ مع شموله لعلم الاستنباط غير مُحَرَّرٍ، وبأنَّ العلَّامة المُحْيَوِيَّ الكافيجيَّ لم يزَل يتعجَّب من قوله (إنَّ موضوع علم الحديث ذاتُ الرسول [2] ) ؟ ويقول هذا الحَرِيُّ أن [3] يكون موضوعَ الطِّبِّ لا موضوعَ الحديث….

لكن قد يقال إنَّ قوله (من حيث إنَّه رسول الله) ينفي تعجُّبه [4] المذكور؛ لأنَّ الذَّات الشَّريفة من الحيثيَّة المذكورة لا تكون موضوع الطِّبِّ كما لا يخفى.

لكن انتقده بعض المتأخِّرين من حيثيَّةٍ أخرى؛ وهي أنَّ المباحث الواقعة [5] فيه راجعة إلى أقواله وأفعاله لا إلى ذاته؛ وإن كانت الأقوال والأفعال متعلِّقة بالذَّات! ألا ترى أنَّ موضوع الفقه أفعالُ المكلَّفين من حيث إنَّها تَحِلُّ وتَحرُم؛ لا المكلَّفون أنفسُهم؛ وإن كانت أفعالهم قائمةً بهم.

ونُظِر في هذا الانتقاد بأنَّ المبحوث فيه هنا إنَّما هو عوارضُ الذَّات الشَّريفة؛ وهي الأقوال والأفعال؛ لا عوارض الأقوال والأفعال المبحوث عنهما في الفقه، فافترقا، مع افتراقهما بالقيد؛ كما يفترِق به عن الطِّبِّ، ولا يضرُّ كونه يصير به فردًا من أفراد أصول الفقه.

وقد قال بعض المحقِّقين لمَّا سئل عن كلام الكَرمانيِّ المذكور لا أعلم أحدًا من أئمَّة الحديث ذكر موضوع علم الحديث على أسلوب أهل [6] المعقول؛ المأخوذ من الفلاسفة، بل ذلك لا يلائم طريق المنقول.

ص 9

ولو قيل إنَّ معلومات علم الحديث ترجع إلى السَّنَد والمَتن؛ لأنَّ الكلام فيه على أحوالهما

وإن كان لا على وجه البحث فيكون [7] موضوعًا له بهذا المعنى باصطلاح خاصٍّ لكان متَّجهًا، والمَتن يعمُّ المَرويَّ عن النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والمرويَّ عن الصَّحابة والتَّابعين وأتباعهم.

وأمَّا فقه الحديث يعني [8] علمَ مبانيه والاستدلال به على الأحكام واستنباط الحكم منه _ويُعَبَّر عنه بفقه السُّنَّة_؛ فأمرٌ [9] يجري فيه البحث، ويُستَمدُّ من الأصلين [10] والعربية، وينبغي أن يكون موضوعه المرويُّ أعمَّ من المرفوع والموقوف والمقطوع، وكأنَّ الكَرمانيَّ قصد النَّسج على منوال الفلاسفة في قولهم (إنَّ موضوع علم الطِّبِّ بدنُ الإنسان) . ولا يخفى بُعدُه، وقد أغنى اللهُ علومَ السُّنَّة عن طريق الفلاسفة.

وقد كان أئمَّة الإسلام الذين يُقتدَى بكلامهم من الصَّحابة وغيرهم في عصر المتقدِّمين [11] ، على نقل كلام الفلاسفة إلى اللِّسان العربيِّ، وقد قرَّروها وصوَّروها على أحسن طريقة. انتهى [12] .

وما قاله رحمه الله قد سبقه إليه غيره، لكن [13] بالنِّسبة إلى الحدِّ فقال بعضهم إنَّا معاشر أهل الحديث والفقه والبلاغة [14] على حدود المناطقة [15] .

قال الإمام أبو الحسن بن الحصَّار المالكي في كتابه (( النَّاسخ والمنسوخ ) )بعد أن ذكر خلاف النَّاس في حدِّ النَّسخ قد بلغ مالك وأضرابه من علماء المتقدِّمين مبلغَ الإمامة في الدِّين، ولم يتكلَّف أحد منهم حدًّا، وربَّما لو تكلَّف له لم يُسلَّم له، وكذلك البخاريُّ ومسلِمٌ وأضرابهما لو

ص 10

كلِّفوا حدَّ الحديث أو المحدِّث لم يأتوا به، وقد نفعهم الله بما علِموه وعلَّموه.، ولو كان في الحدِّ خيرٌ لنطق به القرآنُ؛ أو جاء على لسان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. انتهى.

فلذلك إنَّما نقول على ما تقتضيه البلاغة وأساليب العرب في الخطابات التي ورد بها القرآنُ وأقاييسها الواقعة [16] المأخوذة من إدمان النَّظر في أسرار الكتاب العزيز؛ والكتب المؤلَّفة في إعجازه وبدائعه والتَّبحُّر فيها.

وقد روَينا بإسنادنا من طريق حَرمَلةَ قال سمعت الشَّافعيَّ رضي الله عنه يقول ما جهل النَّاسُ ولا اختلفوا إلَّا لتَرْكِهم لسانَ العرب، وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس.

وقد اعترض أيضًا على جعل الكَرماني الغايةَ هي الفوزَ بسعادة الدَّارَين؛ بأنَّ هذه غايةُ كلِّ علمٍ شُرِع [17] ، وهي الغاية الأُخرويَّة، وليست الغاية التي تُذكَر في مبادئ العلوم التي الغايةُ الأُخرويَّةُ أثرُها أو لازمُها. انتهى.

وأمَّا علم الحديث دِرايةً فأحسن حدوده _كما قاله بعضهم_ قول الشَّيخ عزِّ الدِّين ابن جمَاعة علمٌ بقوانينَ يُعرَف بها أحوال السَّنَد والمَتْن.

وموضوعه السَّنَدُ والمتن.

وغايته معرفة الصَّحيح من غيره.

وقال الحافظ ابن حجَرٍ أَولى تعاريفه أن يقال معرفة القواعد[المُعَرِّفة بحال الرَّاوي والمَرويِّ.

قالوا وإن شئتَ حذفتَ لفظ (معرٍفة) ؛ فقلتَ (معرِفة القواعد) إلى آخره.

وفي عبارة له القواعد] [18] التي يُتَوصَّل بها إلى معرفة حال الرَّاوي والمَرويِّ.

وهذا الحدُّ قريب من حدِّ ابن جماعة، بل حدُّ ابن جمَاعة أحسن منه؛ من جهة أنَّه يدخل تحته أحوالُ السَّنَد التي ليست حالَ الرِّجال؛ كصِيَغ الأداء؛ بدليل المغايرة بينهما في نوع المُسَلسَل، ولا يدخل ذلك

ص 11

في حال الرَّاوي والمَرويِّ؛ لاختصاص المَرويِّ بالمتن.

[1] في (ز) (يستعمل) .

[2] في (ز) (رسول الله صلى الله عليه وسلم) .

[3] في (ز) (أحرى بأن) .

[4] في (ز) (تعجب) .

[5] في (م) (الموافقة) .

[6] (أهل) ليس في (ز) .

[7] في (ز) (فيكونان) .

[8] في (ز) (بمعنى) .

[9] في (ز) (فإنه) .

[10] مراده أصول الدين وأصول الفقه.

[11] في (ز) (متقدم) .

[12] كذا هي العبارة في الأصل، وفيها اضطراب والله أعلم.

[13] في (ز) (لكنه) .

[14] زيد في (ز) (لا نقول) .

[15] في (ز) (المنطقية) .

[16] في (ز) (الراتقة) .

[17] في (ز) (شرعي) .

[18] ما بين معقوفين سقط من (ز) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت