ولمَّا رجع من بغداد إلى بُخارَى
ص 24
تلقَّاه أهلها في محفل عظيم، ومقدَم كريم، وبقي مدَّةً يحدِّثهم في المسجد، فأرسل إليه أمير البلد يتلطَّف به، ويسأله أن يأتيه بالصَّحيح والتَّاريخ ويحدِّثه وأولادَه بهما في قصره. فامتنع من ذلك، وقال أنا لا أُذِلُّ العلمَ ولا أحمله إلى أبواب النَّاس.
فحصلت وحشة بينهما، فأمره الأمير بالخروج من [1] البلد. فيقال إنَّ البخاريَّ دعا عليه، فلم يأتِ شهرٌ حتى نُكِّل به، وحُبس إلى أن مات.
ولمَّا خرج من بُخارَى كتب إليه أهل سَمَرْقَنْدَ أن يأتيهم، فسار إليهم، فلمَّا كان بقرية خَرْتَنْك بلغه أنَّ أهلها وقع بينهم فتنة بسببه، فضجر ليلته [2] ، فدعا ربَّه بعد فراغه من الصَّلاة الَّلهمَّ قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحُبت، فاقبضني إليك. فمات.
فإن قلتَ كيف استجاز الدُّعاء بالموت وقد خرَّج [3] في صحيحه «لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدٌ مِنكُمُ [4] المُوتَ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ» ؟ [خ¦5671] قلتُ نظر [5] بأنَّ المراد بالضُّرِّ هو الدُّنيَوِيُّ، وأمَّا إذا نزل ضُرٌّ دينيٌّ فإنَّه يجوز تمنِّيه خوفًا من تطرُّق الخَلَل في الدِّين.
ولمَّا دُفن فاح من قبره رائحة الغاليَة أطيب من المِسك، وظهر طيور [6] بِيضٌ في السَّماء مستطيلةٌ حِذاء القبر، فصار النَّاس يأخذون من تراب القبر، حتَّى ظهرت الحفرة للنَّاس، ولم [7] يُقدَر على منعهم [8] بالحرس، فنُصِب [9] على القبر خُشُبٌ [10] ، فصاروا يأخذون ما حوالَيه من التُّراب والحصَيَات، ودام الرِّيح أيَّامًا، حتَّى تواتر عن [11] جميع أهل تلك النَّاحيَة.
قال الكَرمانيُّ وأمثال هذه الكرامات لا تُستَعظَم [12] بالنِّسبة إلى أمثال هؤلاء
ص 25
العُبَّاد.
رفع الله ذكره الشَّريف، وقد فعل، وجعل له لسان صدقٍ في الآخِرين، وقد جعل.
وكانت وفاته سنة ستٍّ وخمسين ومائتين، وله من العمُر اثنتان وستُّون سنة إلَّا ثلاثة عشرَ يومًا.
[1] في (م) (عن) .
[2] في (ز) (ليلةً) .
[3] في (ز) (صرح هو) .
[4] في (ز) (لا يتمنى أحدكم الموت) .
[5] في (ز) (نصوا) .
[6] في (ز) (صور) .
[7] زيد في (ز) (يكن) .
[8] في (ز) (ردهم) .
[9] زيد في (ز) (الناس) .
[10] في (ز) (الخشب) .
[11] في (ز) (عند) .
[12] في (ز) (يستعظم) .