فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 38

وكان في العصر الأوَّل يُعقَدُ [1] للحديث المجالسُ الحافلة، ويحضرهم [2] الجمُّ الغفير؛ وهممهم في حُلَل الكمال رافلة؛ بحيث حضر مجلسًا من مجالسه نحوُ مئة ألف، وآخر أربعون ألفًا بمحبرة سوى النَّظَّارة؛ ليبلغَ كلٌّ من الحديث أوطارَه، وبُنيت لأجله المدارس، وصار كلٌّ في تحصيله ينافس.

فالمدرسة الكامليَّةُ أوَّلُ دار حديث بُنِيتْ بالقاهرة المُعَزِّيَّة، وهي ثاني دارِ حديثٍ عُمِلت بالممالك الإسلامية.

ثمَّ لمَّا أنشأ المَلِكُ الظَّاهر بِيبَرْس مدرسته بين القصرين جعل لها مدرِّسًا [3] للحديث الشَّريف، ثمَّ تابعه غالب من أنشأ مدرسة، أو غيرها من الملوك والأمراء على

ص 5

هذا الفعل المُنيف؛ فلمَّا بنى الأمير الكبير؛ رأس نوبة الأمراء الجمدارية؛ سيف الدين شيخو العمري _سقى الله عهده صَوبَ الرَّحمة والرِّضوان [4] ، وشكر سعيه، وأسكنه الفِردَوس الأعلى من الجِنَان_ خانقانه هذه؛ ورتَّب فيها أربعة دروس للمذاهب الأربعة، ودرْسَ قراءاتٍ، ومَشيخةً بإسماع [5] (( الصحيحَين ) (( الشِّفا ) )جعل فيها هذا الدَّرسَ للحديث الشريف، وكان ذلك في سنة سبع وخمسين وسبعمائة.

ولله درُّ العلَّامة ابن أبي حَجْلَةَ [6] حيث قال

~ ومدرسةٌ للعٍلم [7] فيها مواطن فشَيْخُونُها [8] فَرْدٌ وآثارُه [9] جَمُع

~ لقد [10] باتَ فيها للقُلوبِ مَهابةٌ فَواقِفُها لَيْثٌ وأَشْياخُها سُبُعٌ

وأوَّل من تولَّى تدريس الحديث بها الجَمال؛ عبد الله الزُّولي [11] ، ثم تولَّى بعده جماعةٌ، إلى أنْ ولِيَها الحافظ الشِّهاب أبو الفضل أحمد بن حَجَرٍ، ثمَّ ولِيَها جماعةٌ بعده، إلى أن تولَّاه الحافظ الجلال السُّيُوطِيُّ.

وقد قدَّر الله الكريم _ وله المِنَّةُ والحمد_ بأَوْلِ [12] هذا التَّدريس بعد جماعة من الأجِلَّاء للعبد الفقير العاجز الحقير.

فهو _وإن لم يكن كأهلية مَن تقدَّم من الحفَّاظ_ يرجو عَودَ بركتهم وما لهم من المَدد [13] والإلحاظ، وما أحسن قولَ القائل

~ ولكنَّ البلادَ إذا اقشعرَّت [14] وصَوَّحَ [15] نبتُها رُعِيَ الهشيمُ

وعلى كلِّ حال فقد أنعم الله عليَّ وتفضَّل، فله الشُّكر على ما به تطوَّل بأن خدمت هذا العلم الشَّريف قديمًا، وصبغت [16] به أديمًا، وسعيت لأخذه عن الأئمَّة في المسا والبُكور، وافتضضت منه تلك البكور، وأخذته رِوايةً ودِرايةً _ ورجوتُ إن شاء الله

ص 6

ببركته الهداية _ عن جماعةٍ كثيرين من العلماء الأعلام؛ ومشايخ الإسلام؛ ومُسْنِدي الأنام، تغمَّدهم الله برحمته، وأسكنهم بُحبوحة جنَّته؛ وألحَقَنا بهم قالًا وحالًا؛ وجاوَرَنا بهم في الفِردَوس الأعلى مآلًا، وتغمَّد برحمته ورضوانه [17] رُوحَ واقف هذا المكان، ومَن مضى مِن مدرِّسيه وطلبته وجماعته؛ على توالي الزَّمان، وأدام الله النَّصر والتَّأييد لمولانا الخنكار [18] ، وبلَّغه ما يريد، ونصر عساكره برًّا وبحرًا، وأدام لأعلامه في الخافقين نشرًا، وأدام دولة السَّعادة [19] لمولانا الباشا، ويسَّر له من الخيرات ما يشاء، وأدام التأييد والتَّسديد لمولانا قاضي القضاة وشيخ مشايخ الإسلام، أفاض الله عليه جزيل الإنعام، وأصلح سائرَ ولاة أمور المسلمين، وغفر لنا ولوالدِينا ومشايخنا، والسَّادة الحاضرين ووالدِيهم، وأثابنا وإيَّاهم النَّظر إلى وجهه الكريم، في أعلى غُرَف جنَّات النَّعيم؛ مع الذين أنعم الله عليهم من النَّبيِّين والصِّدِّيقِين والشُّهداء والصَّالحين. آمين.

[1] في (ز) (تعقد) .

[2] في (ز) (يحضرها) .

[3] في (ز) (بها درسًا) .

[4] الصَّوب نزول المطر. كما في «اللِّسان» ، مادة صوب. اهـ. والمراد نزول الرحمات عليه.

[5] في (ز) (اسماع) .

[6] ابن أبي حجلة أحمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد الواحد التلمساني، نزيل القاهرة. ولد سنة خمس وعشرين وسبعمائة، ومهر في الأدب والنظم الكثير، ونثر فأجاد، وترسل فأفاق، وعمل المقامات وغيرها. وله مجاميع كثيرة؛ منها السكردان، وحاطب ليل، وديوان الصبابة وغير ذلك. مات في ذي الحجة سنة ست وسبعين وسبعمائة. اهـ. حسن المحاضرة للسيوطي 1/ 191.

[7] في (ز) (العلم) .

[8] في (ز) (فشيخو بها) .

[9] في (ز) (وأناره) .

[10] في (ز) (لأن) .

[11] عبد الله الزولي الحنفي سمع من الدمياطي وغيرهما، وحدَّث ونسخ بخطه الصحيحين، وقدَّمهما لشيخو، فقرَّره في تدريس الحديث بالشيخونية، فكان أول مَن وليها وقرَّره أيضًا في خطابة الجامع، فباشرهما إلى أن مات حوالي 762 هـ.

[12] آل؛ يؤول؛ أَوْلًا رجع. اهـ. كما في «اللسان» آل.

[13] (المدد) ليس في (ز) .

[14] قال في «اللسان» [قشعر] في حديث كعب إن الأرض إذا لم ينزل عليها المطر ارْبدَّت واقشعَرَّت. أي تقبَّضت وتجمَّعت. اهـ.

[15] تصوَّح البَقْل، وصوَّح تمَّ يَبسُه. اهـ. والبيت في «اللسان» [صوح] .

[16] في (ز) (وصنعت) .

[17] في (ز) (والرضوان) .

[18] الخنكار كلمة فارسية بمعنى السلطان الأعظم.

[19] في (ز) (وأدام الدولة والسعادة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت