وقوله تعالى: « أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ » ..حبط الأعمال: إبطالها ، وحرمان أصحابها الثمرة المرجوة منها ..والسؤال هنا: كيف تحبط أعمالهم بعمل يعملونه ولا يشعرون بالآثار المترتبة عليه ؟ وهل يؤاخذ الإنسان على ما يعمله عن غفلة وجهل ؟
والجواب على هذا ـ واللّه أعلم ـ أن هذا تحذير من أن يكون من المؤمنين شىء من هذا المنهىّ عنه ، مستقبلا ، بعد أن نهاهم اللّه سبحانه وتعالى عنه .. فالمؤاخذة على ما نهوا عنه ، إنما تبدأ من بعد تلقّيهم هذا النهى ..
ولأن مثل رفع الصوت ، والجهر بالقول ، مما قد يكون من بعض الناس طبيعة لازمة ، أو عادة متحكمة ، فقد جاء هذا التحذير ليتنبه المؤمنون وهم بين يدى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وليحرسوا أنفسهم من أن ينزلقوا ، تحت حكم الطبيعة أو العادة ، إلى هذا المنزلق الذي تضيع فيه أعمالهم الطيبة من غير أن يشعروا أنهم يأتون منكرا ، أو يقصدون إساءة أدب في حضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - !.
وهذا ، وإن كان من غير قصد ، هو مزلق إلى ما يكون عن قصد ، ووعي ، بعد أن يصبح ذلك عادة مألوفة .." [1] "
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: حرمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ميتا كحرمته حيا ، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه ، فإذا قرئ كلامه وجب على كلّ حاضر ألا يرفع صوته عليه ، ولا يعرض عنه ، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به ، وقد نبّه اللَّه تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الأعراف 7/ 204] وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - من الوحي وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا معاني مستثناة ، بيانها في كتب الفقه" [2] "
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (13 / 434) وانظر التحرير والتنوير لابن عاشور - (26 / 185)
(2) - التفسير المنير ـ موافقا للمطبوع - (26 / 222) وأحكام القرآن: 4/ 1703.