وإذا قيل له: كيف يفعل الله بأوليائه مثل هذه الأمور ؟ قال: يفعل ما يشاء ، وربما قال بقلبه أو لسانه ، أو كان حاله يقتضي أن هذا من نوع الظلم، وربما ذكر قول بعضهم: ما على الخلق أضر من الخالق ، لكن يقول: يفعل الله ما يشاء . وإذا ذُكِّر برحمة الله وحكمته لم يقل إلا أنه يفعل ما يشاء، فلا يعتقدون أن صاحب الحق والتقوى منصور ومؤيد ، بل يعتقدون أن الله يفعل ما يشاء .
وهذه الأقوال مبنية على مقدمتين:
إحداهما: حسن ظنه بدين نفسه نوعًا أو شخصًا،واعتقاد أنه قائم بما يجب عليه ، وتارك ما نُهي عنه في الدين الحق ، واعتقاده في خصمه ونظيره خلاف ذلك: أن دينه باطل نوعًا أو شخصًا ، لأنه ترك المأمور وفعل المحظور.
والمقدمة الثانية: أن الله قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره. وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا ، فلا ينبغي الاغترار بهذا .
والمقدمتان اللتان بنيت عليهما هذه البلية مبناهما على الجهل بأمر الله ونهيه، وبوعده ووعيده . فإن صاحبهما إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق ، فقد اعتقد أنه فاعل للمأمور ، وتارك للمحظور، وهو على عكس ذلك، وهذا يكون من جهله بالدين الحق .
وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله في الدنيا ، بل قد تكون العاقبة في الدنيا للكفار على المؤمنين،ولأهل الفجور على أهل البر ، فهذا من جهله بوعد الله تعالى .
أما الأول: فما أكثر من يترك واجبات لا يعلم بها ولا بوجوبها ، وما أكثر من يفعل محرمات لا يعلم بتحريمها، بل ما أكثر من يعبد الله بما حرم ويترك ما أوجب، وما أكثرمن يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه، وأن خصمه هو الظالم المبطل من كل وجه ، ولا يكون الأمر كذلك ، بل يكون معه نوع من الباطل والظلم، ومع خصمه نوع من الحق والعدل .
وحبك الشيء يعمي ويصم، والإنسان مجبول على محبة نفسه ، فهو لا يرى إلا محاسنها ، ومبغض لخصمه، فلا يرى إلا مساوئه ، وهذا الجهل غالبه مقرون بالهوى والظلم ، فإن الإنسان ظلوم جهول .