أحدهما: أن حصول النصر وغيره من أنواع النعيم لطائفة أو شخص لا ينافي ما يقع في خلال ذلك من قتل بعضهم وجرحه ومن أنواع الأذى، وذلك أن الخلق كلهم يموتون ، فليس في قتل الشهداء مصيبة زائدة على ما
هو معتاد لبني آدم ، فمن عد القتل في سبيل الله مصيبة مختصة بالجهاد كان من أجهل الناس ، بل إن الفتن التي تكون بين الكفار وتكون بين المختلفين من أهل القبلة ليس مما يختص بالقتال ، فإن الموت يعرض لبني آدم بأسباب عامة ، وهي المصائب التي تعرض لبني آدم من مرض بطاعون وغيره ، ومن جوع وغيره . وبأسباب خاصة ، فالذين يعتادون القتال لا يصيبهم أكثر مما يصيب من لا يقاتل ، بل الأمر بالعكس ، قد جرَّبه الناس .
ثم موت الشهيد من أيسر الميتات،ولهذا قال سبحانه وتعالى: (( قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا* قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ) ) [الأحزاب:16، 17] .
فأخبر سبحانه أن الفرار من القتل أو الموت لا ينفع ، فلا فائدة فيه ، وأنه لو نفع لم ينفع إلا قليلًا ، إذ لابد من الموت.
وأخبر أن العبد لا يعصمه من الله أحد إن أراد به سوءًا أو أراد به رحمة وليس من دون الله ولي ولا نصير، فأين نَفرُّ من أمره وحكمه؟ ولا ملجأ منه إلا إليه،قال تعالى: (( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) ) [الذريات:50]
وهذا أمر يعرفه الناس من أهل طاعة الله وأهل معصيته ، كما قال أبو حازم الحكيم:"لما يلقى الذي لا يتقي الله من معالجة الخلق أعظم مما يلقاه الذي يتقي الله من معالجة التقوى".
والله تعالى قد جعل أكمل المؤمنين إيمانًا أعظمهم بلاء، كما قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -:أي الناس أشد بلاء؟ قال: (( الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلي الرجل علي حسب دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خُفف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس معه خطيئة ) ).