، وَمَعَ التَّأْمِيرِ يَقِلُّ الِاخْتِلَافُ وَتَجْتَمِعُ الْكَلِمَةُ ، وَإِذَا شُرِّعَ هَذَا لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ يُسَافِرُونَ فَشَرْعِيَّتُهُ لِعَدَدٍ أَكْثَرَ يَسْكُنُونَ الْقُرَى وَالْأَمْصَارَ وَيَحْتَاجُونَ لِدَفْعِ التَّظَالُمِ وَفَصْلِ التَّخَاصُمِ أَوْلَى وَأَحْرَى وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَصْبُ الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ ." [1] ا- هـ."
وقال إمام الحرمين الجويني: فإذا خلى الزمان عن السلطان وجب البدار على حسب الإمكان إلى درء البوائق عن أهل الإيمان ونهين الرعايا عن الاستقلال بالأنفس من قبيل الاستحثاث على ما هو الأقرب إلى الصلاح والأدنى إلى النجاح ، فإن ما يتولاه السلطانُ من أمور السياسة أوقعُ وأنجح وأدفعُ للتنافس ،وأجمعُ لشتات الرأي في تمليك الرعايا أمور الدماء وشهر الأسلحة وجوه من الخبل لا ينكره ذوو العقل ،وإذا لم يصادف الناس قوَّاما بأمورهم يلوذون به فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقتدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن عمَّ الفساد البلاد والعباد ،وإذا أمروا بالتقاعد في قيام السلطان كفاهم ذو الأمر المهمات وأتاها على أقرب الجهات ،وقد قال العلماء: لو خلى الزمانُ عن السلطان فحقٌّ على قطان كل بلدةٍ وسكانِ كل قريةٍ أن يقدِّموا من ذوي الاحلام والنُّهى وذوي العقول والحِجى مَن يلتزمون امتثال إشارته وأوامره، وينتهون عن مناهيه ومزاجره ،فإنهم لو لم يفعلوا ذلك ترددوا عند إلمام المهمات وتبلدوا عند إظلال الواقعات ،ولو انتدب جماعةٌ في قيام الإمام للغزوات وأوغلوا في مواطن المخافات تعيَّن عليهم أن ينصِّبوا من يرجعون إلى رأيه ،إذ لو لم يفعلوا ذلك تهووا في ورطات المخافات ولم يستمروا في شيء من الحالات" [2] ا- هـ."
4-وكذلك مما يستدلُّ به على تجويز الإمارة وشرعيتها لغير الخليفة في حال غيابه، ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم يوم"مؤتة"عندما قُتل أمراؤهم الذين أمَّرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - .. فاجتمعوا على تأمير خالد بن الوليد من دون تأمير ولا إذنٍ من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعندما بلغ الخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، استحسن صنيعهم، وسمى خالدًا يومئذ سيف الله.
(1) -نيل الأوطار: 8/ 256.
(2) -ياث الأمم في التياث الظلم، ص 387- 388.