أن الأصل عدم المانع. قالوا الاجتهاد فرض كفاية، فيستلزم انتفاؤه الاتفاق على الباطل، وأجيب بأن بقاء فرض الكفاية مشروط ببقاء العلماء، فأما إذا قام الدليل على انقراض العلماء فلا لأن بفقدهم تنتفي القدرة والتمكن من الاجتهاد، وإذا انتفى أن يكون مقدورا لم يقع التكليف به، هكذا اقتصر عليه جماعة: وقد تقدم في باب: تغير الزمان حتى تعبد الأوثان، في أواخر"كتاب الفتن"ما يشير إلى أن محل وجود ذلك عند فقد المسلمين بهبوب الريح التي تهب بعد نزول عيسى عليه السلام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا قبضته ويبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، وهو بمعناه عند مسلم كما بينته هناك فلا يرد اتفاق المسلمين على ترك فرض الكفاية والعمل بالجهل لعدم وجودهم، وهو المعبر عنه بقوله:"حتى يأتي أمر الله"وأما الرواية بلفظ:"حتى تقوم الساعة"فهي محمولة على إشرافها بوجود آخر أشراطها، وقد تقدم هذا بأدلته في الباب المذكور، ويؤيده ما أخرجه أحمد وصححه الحاكم عن حذيفة رفعه:"يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب"إلى غير ذلك من الأحاديث، وجوز الطبري أن يضمر في كل من الحديثين المحل الذي يكون فيه تلك الطائفة، فالموصوفون بشرار الناس الذين يبقون بعد أن تقبض الريح من تقبضه، يكونون مثلا ببعض البلاد كالمشرق الذي هو أصل الفتن، والموصوفون بأنهم على الحق يكونون مثلا ببعض البلاد كبيت المقدس لقوله في حديث معاذ"إنهم بالشام"وفي لفظ:"ببيت المقدس"وما قاله وإن كان محتملا يرده قوله في حديث أنس في صحيح مسلم:"لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله"إلى غير ذلك من الأحاديث التي تقدم ذكرها في معنى ذلك والله أعلم. ويمكن أن تنزل هذه الأحاديث على الترتيب في الواقع فيكون أولا: رفع العلم بقبض العلماء المجتهدين الاجتهاد المطلق ثم المقيد، ثانيا: فإذا لم يبق مجتهد استووا في التقليد لكن ربما كان بعض المقلدين أقرب إلى بلوغ درجة الاجتهاد المقيد من بعض، ولا سيما إن فرعنا على جواز تجزئ الاجتهاد ولكن لغلبة الجهل يقدم أهل الجهل أمثالهم، وإليه الإشارة بقوله:"اتخذ الناس رءوسا جهالا"وهذا لا ينفي ترئيس بعض من لم يتصف بالجهل التام، كما لا يمتنع ترئيس من ينسب إلى الجهل في الجملة في زمن أهل الاجتهاد، وقد أخرج ابن عبد البر في"كتاب العلم"من طريق