وقال تعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) } [البقرة: 155 - 157]
"الناس جميعا مبتلون في هذه الحياة ـ سواء أكانوا أفرادا أو جماعات أو أمما ـ بشىء من الخوف والجوع ـ يختلف قلة وكثرة ـ وبنقص في الأموال والأنفس والثمرات .. فليس أحد في هذه الدنيا بمأمن أبدا من أن تنزل به هذه النوازل ، متفرقة أو مجتمعة ..والجزع في هذه المواطن هو الذي يثقّل المصيبة ، ويولّد منها مصائب ، فيضاعف معها البلاء ، ويعظم الألم ، ويطبق اليأس ، ويغلق كل باب للأمل والرجاء!."
أما الذي يلقى أحداث الحياة ومصائبها بالصبر ، ويواجهها بالتسليم والرضا ، عن يقين وإيمان بأن ما وقع إنما هو بقضاء اللّه وقدره ـ فإن ذلك يهوّن عليه من وقع المصائب وإن عظمت ، ويمدّه بمعين عظيم من الصبر والاحتمال ، ويفتح له بابا واسعا من الأمل والرجاء فيما هو خير عند اللّه وأبقى: « وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » فحين يذكر المؤمن أنه ـ ذاتا ومالا وأهلا وولدا ـ ملك للّه ، لا يملك مثقال ذرة مما في ملك اللّه ، وأن مصائر الأمور كلها إلى اللّه ، ومردّها جميعا إليه ـ حين يذكر المؤمن هذا لا يأسى على فائت ، ولا يحزن على مفقود ،وتلك هى أولى بشريات المؤمنين في هذه الدنيا ، لا ينزل الحزن ساحتهم ، ولا يرهق الهمّ والكرب قلوبهم: « أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ » ." [1] "
لا بد من تربية النفوس بالبلاء ، ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد ، وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات .. لا بد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة ، كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف. والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى. فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الذي الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 176)