إن هذا الدين له حقيقة مميزة لا يوجد إلا بوجودها .. حقيقة الطاعة لشريعة اللّه ، والاتباع لرسول اللّه ، والتحاكم إلى كتاب اللّه .. وهي الحقيقة المنبثقة من عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام. توحيد الألوهية التي لها وحدها الحق في أن تعبد الناس لها ، وتطوّعهم لأمرها ، وتنفذ فيهم شرعها ، وتضع لهم القيم والموازين التي يتحاكمون إليها ويرتضون حكمها. ومن ثم توحيد القوامة التي تجعل الحاكمية للّه وحده في حياة البشر وارتباطاتها جميعا ، كما أن الحاكمية للّه وحده في تدبير أمر الكون كله. وما الإنسان إلا قطاع من هذا الكون الكبير.
وهذا الدرس الأول من السورة يقرر هذه الحقيقة - كما رأينا - في صورة ناصعة كاملة شاملة ، لا مهرب من مواجهتها والتسليم بها لمن شاء أن يكون مسلما. إن الدين عند اللّه الإسلام .. وهذا - وحده - هو الإسلام كما شرعه اللّه ، لا كما تصوره المفتريات والأوهام .. [1]
وعَنْ فَاطِمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي نِسَاءٍ نَعُودُهُ , فَإِذَا سِقَاءٌ يَقْطُرُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُهُ مِنَ الْحُمَّى , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , لَوْ دَعَوْتَ اللهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْكَ . فَقَالَ:"إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [2]
وعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً ؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الأَمْثَلُ ، فَالأَمْثَلُ ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ." [3] "
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُوعَكُ ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَيْنَ يَدَيَّ فَوْقَ اللِّحَافِ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ قَالَ:"إِنَّا كَذَلِكَ يُضَعَّفُ لَنَا الْ بَلَاءُ ، وَيُضَعَّفُ لَنَا الْأَجْرُ"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ:"الْأَنْبِيَاءُ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ:"ثُمَّ الصَّالِحُونَ ، إِنْ كَانَ"
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 387)
(2) - شعب الإيمان - (12 / 230) (9319 ) صحيح
(3) - صحيح ابن حبان - (7 / 161) (2901) صحيح