الْوَصْف مَا زَالَ بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى مِنْ زَمَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْآن ، وَلَا يَزَال حَتَّى يَأْتِي أَمْر اللَّه الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث" [1] "
لقد قدم الإمام رحمه الله المقاتلين لما ذكرنا آنفًا من أن أكثر ألفاظ الحديث تدور حول القتال ، وذكر الفقهاء لأنهم يعلمون الناس دينهم ، وذكر المحدثين لأنهم يحفظون للناس سنَّة نبيهم ، وذكر الزهاد لأن الناس يقتدون بهم ، وذكر الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر لأنهم يحفظون المجتمع المسلم من الضياع والانحراف ، وأهل أنواع الخير خيرهم متعدٍ إلى غيرهم ، فكل هؤلاء ينتفع بهم المسلمون .
إن من يخالف بعض ما يعتقده أهل الحديث قد يكون من الطائفة المنصورة: فنور الدين محمود ، وصلاح الدين وأسد الدين وقطز وبيبرس وقلاوون وأكثر قادة المسلمين في القرون المتأخرة من أمثال عمر المختار والجزائري وعز الدين القسام وغيرهم كثير ، كانوا أشاعرة أو متصوفة ، فهل نخرج هؤلاء خارج دائرة الطائفة المنصورة لأنهم ليسوا على عقيدة أهل الحديث !!
بل إن الإمام النووي الذي نقل عنه يخالف أهل الحديث في بعض الاعتقادات ، فهل هو خارج الدائرة !!
إن أهل الحديث في زمن أحمد كانت لهم خاصية ميّزتهم عن غيرهم ، وهي: جهادهم الكبير لحفظ عقيدة المسلمين ودينهم وجمع الآثار وبيان سقيمها من صحيحها والاغتراب والسفر لذلك مع مواجهة التيارات الفلسفية والكلامية والبدعية التي عصفت بالمسلمين في ذلك الزمان ، مع ما كانوا عليه من صلاح وتقوى وجهاد في سبيل الله بالنفس والمال واللسان ، وقد كان منهم الأبطال في ساحات النزال ، ولذلك استحقوا أن يكونوا من الطائفة المنصورة ، فكلام الإمام أحمد ينبغي أن يصرف إلى الضمنية ، فأهل الحديث من الطائفة المنصورة ، وليسوا هم الطائفة المنصورة كلها ، وحاشا الإمام أحمد أن يقصد استثناء الفقهاء والزهاد وأهل الثغور من هذه الطائفة المباركة وهو من أعلم أهل زمانه بروايات الحديث ومعاني الألفاظ النبوية ، وكلام الإمام النووي يؤيد هذا ..
(1) - شرح النووي على مسلم - (6 / 400)