يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا (89) سورة النساء
ولذا فإن أهل الباطلِ لا يجدون أمامهم فرارًا مما يجدون غير التمادي في سياسة البطش والتنكيل والتشريد والتقتيل, غير مراعين لحرمة ولا حافظين لعهدٍ ولا ذمة تشفيا من الحق وأهله وإرضاءً لأنفسهم المهزومة, وانتصارًا لها.
وإذا كان قد سبق في قضاء الله معاداةُ الباطل للحق وأهله وتسلطهم عليهم بأنواع الأذى وألوان العذاب؛ فقد أمر سبحانه أولياءه بإشهار سيف العداوة والبغضاء في وجه الباطل وأهله, ورفعِ لواء البراءَةِ من الكفر وحزبه. قال سبحانه: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (4) سورة الممتحنة.
قال الشيخ حمد بن عتيق -رحمه الله- (وهاهنا نكتةٌ بديعة في قوله تعالى( إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) وهي أن الله تعالى قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله؛ لأن الأول أهم من الثاني, فإنه قد يتبرأ من الأوثان, ولا يتبرأ ممن عبدها, فلا يكون آتيًا بالواجب عليه. وأما إذا تبرأ من المشركين فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم) إلى أن قال ( فعليك بهذه النُكت؛ فإنها تفتح بابًا إلى عداوة أعداء الله, فكم إنسان لا يقع منه الشرك, ولكنه لا يعادي أهله, فلا يكون مسلمًا بذلك إذ ترك دين جميع المسلمين. ثم قال تعالى(كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) فقولُه"بدا"أي ظهر وبان. وتأمل تقديمَ العداوة على البغضاء لأن الأولى أهمُّ من الثانية. فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم, فلا يكون آتيًا بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء, ولا بد أيضًا من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بينتين) ا.هـ [1] .
(1) - العمدة في إعداد العدة - (1 / 485) وكتب ومقالات المقدسي - (117 / 106)