وقد اقتضت حكمةُ الله -سبحانه- ابتلاءً لعباده وتمحيصًا لهم؛ أن يتسلط الباطلُ وحزبُه على الحقّ وأهله تسلطًا قدريًّا. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } (112) سورة الأنعام.
وهذا قضاءٌ كوني واقعٌ لا محيص عنه, ولا دافع له, فكل من استمسك بغرز هذا الدين , وأخذ على عاتقه تطبيقَ حكمه بين العالمين؛ فلا بد أن ينالهُ قسطٌ من ذلك التسليط, ونصيبٌ من تلكم العداوة. ويتضحُ ذلك جليًّا في قول ورقة بن نوفل للنبي - صلى الله عليه وسلم - (لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِىَ ، وَإِنْ يُدْرِكْنِى يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا) [1] . فكل من سار على درب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِهِ رضوان الله عليهم, ودعا إلى مثل ما كانوا عليه؛ فلا بدَّ أن يناله نصيب من العداوة, ويصيبَه شيء من الأذى من الباطل وأهله بحسب حاله والتزامه بمنهجهم. ومنشأ هذه العداوة وسببُها؛ أن مجرد رؤيةِ أهل الباطل لأهل الحق, وإن كان الحق في أضعف حالاته وأعجزها -تذكر أهل الباطل بباطلهم, فتقطع عليهم نشوتهم, وتنغصُ عليهم تمتعهم بشهواتِهم, وتوقفهم مع أنفسهم لتفضح هذه الأنفس, وتبينَ ضعفها, وزيف قوتها وذلتها, حيث غدت عبدة ذليلة مهانة لشهواتها وأهوائها.
وقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} (59) سورة المائدة .
فنقمتهم على المؤمنين, كما هو صريحُ الآية, لا سببَ لها غيرَ قيامِ المؤمنين بدينهم, وتمسُّكِهم به, مع عدم قدرتهم على فعل الشيء نفسه؛ لفسقهم المانع لهم من ذلك. وهذا مما يملأُ قلوبَ أهل الباطل حقدًا وغيضًا تتقطع معه قلوبهم, وتتحرق معه نفوسهم. حيثُ هذا العلو والسمو والذي لا يستطيعونه يذكرهم ويشهد عليهم بانحطاطهم وسفلهم, فيودون أن لو فتن أهل الحق عن حقهم وشاركوهم في باطلهم, كما قال العليم بمكنون صدورهم: وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (3 )