فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 381

الذل والصغار, وتقعيد الخنوع للواقع وضغطه, فالقتال في سبيل الله شرطُ الطائفةِ المنصورة, وأساس صحة الانتسابِ إليها, وإن رغمت أنوف!.

إنه القتال قدرُ كل من أراد الانتساب لهذه الطائفة المنصورة. وقولهُ - صلى الله عليه وسلم - (لا تزال) و (يقاتلون) و (حتى يقاتل آخرهم الدجال) يدلُّ على أن هذه الطائفةَ المقاتلة طائفةٌ ممتدة كحبَّاتِ العقد يأخذ خلفُها عن سلفِها, ويفضي سابقها للاحقها في تتابع واتصالٍ تامين ليس بينهما فراغ؛ لتظل الرايةُ مرفوعة دائمًا وأبدًا, فهي وحدةٌ واحدة لها أول ولها آخر عبر عمر الأمة كله.

وقد ترجم كثيرٌ من الأئمة لأحاديث الطائفة المنصورة بما يدل على ما ذكرناه من كون القتال قدر الطائفة المنصورة. قال الإمام أبو داود في سننه (باب في دوام الجهاد) . وقال ابنُ الجارود رحمه الله في المنتقى (باب دوام الجهاد إلى يوم القيامة) .

هذا القتال هو أخص أوصافِ أهل هذه الطائفة المنصورة, وألصقُها بهم, فهو شعارهم ودثارهم, وهو دنياهم وآخرتهم, وهو فراغهم وشغلهم, وهو حلهم وترحالهم, عكفوا عليه, وتنادوا إليه, فكان التسابق زرافاتٍ ووحدانًا. قال تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (5) سورة التوبة.

وقال تعالى: ( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) .

وقد جاء التعبير عن هذه الصفة الحَدِّية من صفات الطائفة المنصورة بلفظ القتال, ولم يأت بلفظ الجهاد, قاطعًا الطريق على من أُشربوا في قلوبهم حبَّ التأويل -والذي حقيقته التحريف- ليمنعهم من تحريف هذه الصفة عن حقيقتها إرضاءً لشهواتِهم وخضوعًا لشبهاتهم, وليضعَهم في مواجهَةِ أنفسهم مواجهةً يتبعُها إما القيام بأمر الله وتحقيق شرط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت