فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 381

ألا فليتأمل الذين يريدون نصرة الدين بقتال الصليبيين دون قتال أعوانهم من بني جلدتنا من المرتدين, ألهم في هذه النصرة حظٌّ أو نصيب؟.

إنما أمر الله سبحانه وتعالى من البراءةِ من المشركين والعداوةِ للكافرين له صور متنوعة, وأشكال متعددة, لكن أعظم مظاهره وأبرزَ معالمه على الإطلاق هو القتالُ والجهادُ في سبيلِ الله, ولكنه شاقٌ عسير على النفوس, ولذلك لم يتصدّ لهُ إلا طائفةٌ من أهل الحقّ اصطفاها الله سبحانه وتعالى. هذه الطائفة خطت لنفسها المضي في طريقٍ تقاعسَ عنه الجمُّ الغفير, وأحْجَمَ عن سلوكِ دربه الكثير. طريقٍ مكروهٍ لقلوب البريات, محبوبٍ لخالق الأرض والسماوات. طريقٍ قامت أرضهُ على الجماجم والأشلاء, ورُويت تربته بطاهر الدماء. طريقٍ بدايته آلام ومشاق وأحزان, وخاتمته نعيمٌ وراحةٌ وغُفران. طريقٍ السير فيه عظيمُ التكاليف؛ مفارقةٌ للأهل والأوطان, هجر للأحباب والخلان, هجرة للواحد الديان. طريقٍ كَثُرَ عنه المخذلون, وعَظُم فيه المخالفون. طريقٍ مُمِحِّصٍ للقلوب, وفاضحٍ للنُّفوس... إنّه طريقُ القتال, وسبيلُ النِّزال, يا لَهُ من طريق موفّقٌ من هُدِي لسلوكه, محرومٌ والله من ضلَّ عن سبيله.

قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لا تزالُ طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحقِّ ظاهرين إلى يوم القيامة) .

وعن جابر بن سَمُرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( لن يبرح هذا الدين قائمًا يقاتلُ عليه عصابة من المسلمين حتى تقومَ الساعة) .

ومن حديث عقبةَ بن عامر رضي الله عنه قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: ( لا تزال عصابةٌ من أمتي يقاتلون على أمرِ الله قاهرين لعدوهم, لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) .

وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لا تزالُ طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوئهم, حتى يقاتل آخرُهم المسيحَ الدجال) [1] .

كلماتٌ من نور الوحي ومعين الرسالة ترسم بريشة الحقيقة سبيل هذه الطائفة المصطفاة, وتحددُ معالم طريقها, وعنوانَ منهجِها, ودامغةً في الوقت نفسه كل متخاذل من أهل فقه

(1) - حر تخريجها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت