فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 381

سَمِعْتُ مَقَالَتْكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ إِنِّي أَرَى أَنَّ تَرْكَنَا دِينَنَا واتِّبَاعَنَا عَلَى دِينِكَ لِمَجْلِسٍ جَلَسْتَهُ إِلَيْنَا لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلَا آخِرٌ أَنَّهُ زَلَلٌ فِي الرَّأْيِ ، وَقِلَّةُ نَظَرٍ فِي الْعَاقِبَةِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الزَّلَّةُ مَعَ الْعَجَلَةِ ، وَمِنْ وَرَائِنَا قَوْمٌ نَكْرَهُ أَنْ يُعْقَدَ عَلَيْهِمْ عَقْدٌ ، وَلَكِنْ نَرْجِعُ وَتَرْجِعُ وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرُ . وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَشْرَكَهُ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ ، فَقَالَ: وَهَذَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ حَرْبِنَا ، فَقَالَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ: سَمِعْتُ مَقَالَتْكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ ، وَالْجَوَابُ فِيهِ جَوَابُ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ فِي تَرْكِنَا دِينِنَا وَمُتَابَعَتُكَ عَلَى دِينِكَ ، وَإِنَّا إِنَّمَا نَزَلْنَا بَيْنَ صُرَيَّيْنِ الْيَمَامَةِ ، وَالسَّمَامَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"مَا هَذَانِ الصُّرَيَّانِ ؟"فَقَالَ: أَنْهَارُ كِسْرَى وَمِيَاهُ الْعَرَبِ ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَنْهَارِ كِسْرَى فَذَنْبُ صَاحِبِهِ غَيْرُ مَغْفُورٍ وَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ فَذَنْبُ صَاحِبِهِ مَغْفُورٌ وَعُذْرُهُ مَقْبُولٍ ، وَإِنَّا إِنَّمَا نَزَلْنَا عَلَى عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا أَنْ لَا نُحْدِثَ حَدَثًا وَلَا نُؤْوِي مُحْدِثًا وَإِنِّي أَرَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ يَا قُرَشِيُّ مِمَّا يَكْرَهُ الْمُلُوكُ ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نُؤْوِيَكَ وَنَنْصُرَكَ مِمَّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ فَعَلْنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَا أَسَأْتُمْ فِي الرَّدِّ إِذْ أَفْصَحْتُمْ بِالصِّدْقِ ، وَإِنَّ دِينَ اللَّهِ لَنْ يَنْصُرَهُ إِلَّا مَنْ حَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يُورِثَكُمُ اللَّهُ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَيُفْرِشَكُمْ نِسَاءَهُمْ أَتُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَتُقَدِّسُونَهُ ؟"فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ: اللَّهُمَّ فَلَكَ ذَلِكَ قَالَ: فَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا", ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَابِضًا عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَيَّةُ أَخْلَاقٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا أَشْرَفُهَا ‍بِهَا يَدْفَعُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَأْسَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ ، وَبِهَا يَتَحَاجَزُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ . قَالَ: فَدُفِعْنَا إِلَى مَجْلِسِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، فَمَا نَهَضْنَا حَتَّى بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ سُرَّ بِمَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَمَعْرِفَتِهِ بِأَنْسَابِهِمْ. [1] "

والحديثُ ظاهر الدلالة بأنه - صلى الله عليه وسلم - كان ينشد السيف الذي ينصر به دعوته, بل لما أعلن القوم استعدادهم أن ينصروه - صلى الله عليه وسلم - من العرب دون الفرس؛ رفض - صلى الله عليه وسلم - مبايعتهم مصرًّا أن تكونَ النصرة بالسيف مصلتة على كل من قد يقف أمام الدعوة من عرب أو عجم.

(1) - دلائل النبوة للبيهقي - (2 / 297) (695 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت