كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ وَأَنَا مَعَهُمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ ، وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ ، حَتَّى إِذَا بَادَأَكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ ، وَبَيْنَا هُمْ فِي ذَلِكَ ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، وَأَحَاطُوا بِهِ ، يَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا - لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمَجْمَعِ رِدَائِهِ ، وَقَالَ وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَهُ يَقُولُ وَهُوَ يَبْكِي: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَأَشُدُّ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا بَلَغَتْ مِنْهُ قَطُّ." [1] ."
قال البيهقي رحمه الله:"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَوْعَدَهُمْ بِالذَّبْحِ ، وَهُوَ الْقَتْلُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ ، ثُمَّ صَدَقَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَهَ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ ، فَقَطَعَ دَابِرَهُمْ ، وَكَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهَمْ"ا.هـ. [2]
تلكم الحقيقة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغرس بذورها في نفوس أصحابه ولا سيما في تلك المرحلة التي لم يؤذن لهم فيها بالقتال, وأمروا فيها بالعفو والصفح وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة, فأثمر ذلك الغراس وأينعت ثمرته في نفوس الصحابة رضوانُ الله عليهم. فأدركوا حقيقةَ الصراعِ بينهم وبين الكفر, وأن هذه المرحلة مرحلةٌ مؤقتة ما تلبثُ أن تزول. وأن القتال بينهم وبين معسكر الباطل وحزبه أمرٌ كائنٌ لا محالة, ذلكم هو قدر هذه الدعوة منذ يومها الأول. وأن السيف هو الفيصلُ بينهم وبين أعدائهم, وهو من سيزيحُ هذه الرؤوسَ عن طريق الحق وأهله.
وعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَكَّةَ سَبْعَ سِنِينَ ، يَتَتَبَّعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بِعُكَاظَ وَمَجَنَّةَ وَالْمَوَاسِمِ بِمِنًى ، يَقُولُ: مَنْ يُؤْوِينِي وَيَنْصُرَنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالاَتِ رَبِّي ؟ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لِيَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مِصْرَ فَيَأْتِيهُ قَوْمُهُ ، فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلاَمَ قُرَيْشٍ ، لاَ يَفْتِنُكَ. وَيَمْشِي بَيْنَ رِحَالِهِمْ وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ ، حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ مِنْ يَثْرِبَ ، فَآوَيْنَاهُ وَصَدَّقْنَاهُ ، فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا وَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ ، وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ
(1) - صحيح ابن حبان - (14 / 525) (6567) صحيح
(2) - دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ ( 578 )