فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 381

فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلاَمِهِ ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلاَّ فِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، يُظْهِرُونَ الإِسْلاَمَ ، ثُمَّ إِنَّا اجْتَمَعْنَا ، فَقُلْنَا: حَتَّى مَتَى نَتْرُكُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ ؟ فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا ، حَتَّى قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ فَوَاعَدْنَاهُ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ ، فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهَا مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ ، حَتَّى تَوَافَيْنَا ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ عَلاَمَ نُبَايِعُكَ ؟ قَالَ: تُبَايعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ ، وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَأَنْ يَقُولَهَا لاَ يُبَالِي فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِيَ ، وَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ ، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ ، فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ ، فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ ، فَإِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الإِبِلِ إِلاَّ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَأَنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُنَازَعَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً ، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ ، وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ ، فَإِمَّا أَنْ تَصْبِرُوا عَلَى ذَلِكَ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللهِ ، وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ جُبْنًا ، فَبَيِّنُوا ذَلِكَ فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُمْ ، فَقَالُوا: أَمِطْ عَنَّا فَوَاللَّهِ لاَ نَدَعُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَدًا ، فَقُمْنَا إِلَيْهِ ، فَبَايَعْنَاهُ ، فَأَخَذَ عَلَيْنَا ، وَشَرَطَ أَنْ يُعْطِيَنَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ." [1] "

لله درك يا ابن زرارة على هذه المقالة! يا لها من كلمات تنبئُ عن معرفة بحقيقة الصراع بين الحق والباطل , ومنذ اللحظةِ الأولى قبل البيعة. كلماتٌ خرجت من فِيِّ من سلمت فطرتُه, ولم تلوثها تلكم المتاهات النظرية, والسفسطات الكلامية, والفلسفاتِ العقيمة.

كلماتٌ نسوقها إلى أولئك الذين ما عقلوا طبيعة هذا الدين, ولم يعوا بعدُ حقيقته, وليتهم اكتفوا بتخاذلهم وقعودهم عن الجهاد؛ لهان المصابُ إذن, ولما انشغلنا بتوجيه اللوم لهم, ولكنهم أبوا إلا أن يضفوا على هذا القعود والتخاذل الصبغة الشرعية, فخرجوا على الأمة بمناهج دخيلة على ما كان عليه سلف الأمة وعلماؤها. كانت بمنزلة معول الهدم في بنيان هذا الدين شعروا أو لم يشعروا, حقنوا أجساد أبناء هذه الأمة بجرعات من التخدير والتثبيط, وعقدوا على ناصية رؤوسهم ثلاثًا, وكلما هم أبناء الأمة لينفضوا غبار الذل الذي تغشاهم, ويهبوا نصرة لدينهم, ودفاعًا عن حرماتهم؛ نادوا عليهم أن ارقدوا عليكم

(1) - صحيح ابن حبان - (14 / 172) (6274) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت