بحاجة إلى قدوات يروون بدمائهم ترابَ أرضها؛ فتدب روح الحياة في صفوف أبنائها من جديد.
وعن أي تربية يتحدثون؟ وهل التربيةُ على التوحيد الصافي والكفر بالطاغوت والولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين, وبذل النفوس والمهج رخيصة فداءً لهذا الدين إلا في ساحات الجهاد وميادين القتال؟! وهل كان جل تربية نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه إلا في ساحات الجهاد؟
روى البخاري عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ - رضى الله عنه - يَقُولُ أَتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُ وَأُسْلِمُ . قَالَ « أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ » . فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ ، فَقُتِلَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا » [1] .
فتأمل كيف أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإسلام ومن ثم أمره بالقتال تربية له على التضحية والفداء لهذا الدين, ولم يأمره بالرجوع إلى المدينة حتى يتربى كما يزعم هؤلاء.. وهذا في فرض الكفاية وجهاد الطلب, فكيف بالعدو الصائل وجهاد الدفع؟.
إن العلم الشريف عند أهل الطائفة المنصورة ليس بحفظ المتون, وجمع الفنون, وكثرة التصنيف, ومجالس الوعظ والتدريس والإفتاء مع ترك القيام لله بالأمر الذي يحبه ويرضاه من صدع بحق, وأمرٍ بمعروف ونهي عن منكر, وغضبٍ صادق إذا انتُهكتْ محارم الله, وإعلاءٍ لكلمةِ الله دعوة وجهادًا. فمن كان حظه من العلم ما ذكر, مع تضييعه لواجبات الدين الكبار إيثارًا للسلامة أو إخلادًا للراحة والدعة, أو حبًّا للدنيا وتثاقلًا للأرض, أو ركونًا للذين ظلموا؛ فقد خان الرسالةَ, وضيع الأمانة, ومن ثمّ خرج عن حد العلم الشريف ورسمه, وفارق تلك القافلة المباركة؛ قافلة العلم الشريف التي يقف على رأسها الأنبياءُ والمرسلون, فأما أن ينتظمه رسمهم أو يشمله حدهم أو أن يجمعه وإياهم وصفٌ واحد. ولمثل هذا يقال: لست والله عالمًا أو حكيمًا, إنما أنت تاجرٌ في العلوم, فبغير القتال تبقى الفتنة, وهيهات أن يكون الدين كله لله. ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون.
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (2808 )