قال أبو بكر الجصاص رحمه الله:"وَلَيْسَ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ فَرْضٌ آكَدُ وَلَا أَوْلَى بِالْإِيجَابِ مِنْ الْجِهَادِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بِالْجِهَادِ يُمْكِنُ إظْهَارُ الْإِسْلَامِ وَأَدَاءُ الْفَرَائِضِ ، وَفِي تَرْكِ الْجِهَادِ غَلَبَةُ الْعَدُوِّ وَدُرُوسُ الدِّينِ ، وَذَهَابُ الْإِسْلَامِ ، إلَّا أَنَّ فَرْضَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا ." [1]
فإذا قعد أهلُ الحقِّ عن نصرة الحق, ودفعِ الباطل, وإزالتِهِ بسيوفهم, جهلًا منهم بمعاني الحق ومقتضياته ولوازمه, أو غفلة منهم عن حقيقةِ الصراع, وعن طبيعة الباطل وصفته, أو استسلامًا لقراءَةٍ فاسدةٍ في نواميس الكون وسننه الإلهية, أو خداعًا بأوهام وأمانيَّ باطلة, أو خضوعًا لمتاهاتٍ نظرية, وفلسفاتٍ جدلية, وأطروحاتٍ إنشائية, تدورُ في حَلَقة مفرغة تبدأ من حيث انتهت, وتنتهي من حيث بدأت. أو خوَرًا وضعفًا, وعجزًا عن القيامِ بالقتال وتحمُّلِ أعبائِه -فإن سننَ الله لا تُحابي أحدًا أيًّا كان, ومن ثم فليس غير الذل والهوان وفتنة المسلمين عن دينهم مع تبدُّل أحكام الدين وطمس معالمه, وتغيير حقائقه والتلاعب بها. وغير ذلك من العقوبات القدرية التي تنزل بمن خذل الحقّ وأسلمه, وهذا فضلًا عن وعيدِ الآخرة.
قال تعالى: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (39) سورة التوبة
قال ابن العربي رحمه الله:"هذا تهديدٌ شديد, ووعيد مؤكد في ترك النفير, فوجب بمقتضاها النفيرُ للجهاد, والخروجُ إلى الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا, فالعذاب الأليم هو الذي في الدنيا لاستيلاء العدو على من لم يستول عليه, وبالنارِ في الآخرة. وزيادة على ذلك استبدال غيركم, كما قال تعالى ( وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) "ا.هـ. [2]
(1) - أحكام القرآن للجصاص - (7 / 40)
(2) - أحكام القرآن لابن العربي - (4 / 263) وأحكام القرآن لابن العربي - (4 / 301) والتفسير المنير ـ موافقا للمطبوع - (10 / 219) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (1 / 2432)