الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) [التوبة: 38 - 39] .
فقوله تعالى"إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ"دالٌ على توجه الوعيد الشديد في حق القادر على الجهاد التارك له عند تعينه.
قال القرطبي رحمه الله:"وهذا تهديد شديد, ووعيد مؤكد في ترك النفير" [1]
قال ابن العربي:"ومن محققات الأصول أن الأمر إذا ورد فليس في وروده أكثرَ من اقتضاء الفعل, فأما العقاب عند الترك فلا يؤخذ من نفس الأمر, ولا يقتضيه الاقتضاء, وإنما يكون العقاب بالخبر عنه؛ كقوله: إن لم تفعل كذا عذبتك بكذا, كما ورد في هذه الآية, فوجب بمقتضاها النفيرُ إلى الجهاد, والخروج إلى الكفار لمقاتلتهم, على أن تكون كلمةُ الله هي العليا"ا.هـ [2] .
وقد وردت هذه الآيات في حق من استنفرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - لقتال الروم في غزوة تبوك بعيدًا عن بلاد المسلمين وبيضتهم, فكيف بمن قعد عن الجهاد عند نزول العدو بلاد المسلمين ذاتها, وحلولهم بالعُقر من الديار, واستباحتهم للبيضة, والاستيلاء عليها.
ومن علامات الكبائر التي نص عليها الأئمة أن يرد فيها وعيد في الآخرة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} قَالَ: الْكَبَائِرُ: كُلُّ ذَنْبٍ خَتْمَهُ اللَّهُ بِنَارٍ أَوْ غَضَبٍ , أَوْ لَعْنَةٍ , أَوْ عَذَابٍ.. [3]
قال ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى:"الكبيرة التسعون والحادية والثانية والتسعون بعد الثلاثمئة؛ تَرْكُ الْجِهَادِ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ بِأَنْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّونَ دَارَ الْإِسْلَامِ أَوْ أَخَذُوا مُسْلِمًا وَأَمْكَنَ تَخْلِيصُهُ مِنْهُمْ ، وَتَرْكُ النَّاسِ الْجِهَادَ مِنْ أَصْلِهِ ، وَتَرْكُ أَهْلِ الْإِقْلِيمِ تَحْصِينَ ثُغُورِهِمْ بِحَيْثُ يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِ تَرْكِ ذَلِكَ التَّحْصِينِ ) ."
(1) - تفسير القرطبي ـ موافق للمطبوع - (8 / 141)
(2) - أحكام القرآن لابن العربي - (4 / 263)
(3) الدر المنثور للسيوطي - موافق للمطبوع - (4 / 359) وتفسير ابن كثير - دار طيبة - (2 / 283) وتفسير القرطبي ـ موافق للمطبوع - (5 / 159) وتفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (8 / 246) (9212) حسن